السرد اليمني

(نصوص إبداعية ودراسات في الرواية والقصة القصيرة والسيرة وأدب الرحلات)

  • باوزير وفتنة السرد

  • العنف في الرواية اليمنية

  • باكثير والرواية التاريخية

  • خطاب المقدمات عند المقالح

باوزير والسيرة الذاتية

Posted by alsard في نوفمبر 4, 2011

(استعادة الزمن المفقود) وأدب السيرة الذاتية في اليمن

د. مسعود عمشوش

منذ القرن الثامن عشر غدت السيرة الذاتية جنسا أدبيا واسع الانتشار في بعض الآداب الغربية. لكن، في الأدب العربي، بسبب ضيق هامش الحرية الإبداعية والفكرية والاجتماعية التي مُنِحت للقلم العربي، ظلت أشكال كتابة الذات بما فيها السيرة الذاتية محدودة وتتداخل في كثير من الأحيان مع الكتابة الروائية. بل يزعم بعض النقاد أن عددا من الأدباء العرب يفضلون تناول جوانب من تجاربهم الذاتية في قصصهم ورواياتهم (السير ذاتية) التي يستطيعون فيها التصدي بحرية لمختلف الموضوعات والتابوهات. ومع ذلك، فمنذ بداية ثمانينات القرن العشرين، أقدم عددٌ من العرب، لاسيما من بين الكتاب الكبار سنا وتجربة وإنتاجا، على نشر سيرهم الذاتية. فخلال العقود الثلاثة الماضية ظهرت “البئر الأولى” و”شارع الأميرات” لجبرا إبراهيم جبرا، و “أوراق العمر” للويس عوض، و”أوراقي .. حياتي” لنوال السعداوي، و “حملة تفتيش.. أوراق شخصية” للطيفة الزيات، و “رحلة جبلية – رحلة صعبة” و”الرحلة الأصعب” لفدوى طوقان، و “صور من الماضي” لهشام شرابي، و “مرايا ساحلية: سيرة مبكرة” لأمير تاج السر، و”غربة الراعي” لإحسان عباس، و “مجرد ذكريات” لرفعت السعيد، و”سيرة حياتي – 1″ لعبد الرحمن بدوي، و “مسارب – 1” لأمين مازن، و “سيرة الفتى الأحمر” لفواز الطرابلسي، و”ذكريات الأدب والحب” لسهيل ادريس.. وغيرها. وقد لفت هذا الانتشار لنصوص السير في الأدب العربي انتباه د. جابر عصفور مؤلف (زمن الرواية)  ودفعه إلى التأكيد”أنه ينبغي أن نستبدل بشعار زمن الرواية شعار زمن القص أو زمن السرد لندخل فيه كتب السّيَر التي يكتبها المؤلفون عن الأعلام الذين شغلوا الدنيا والناس، أو التي يكتبها عن أنفسهم هؤلاء الأعلام”.

وعلى الرغم من هذا الارتفاع  النسبي لعدد نصوص السيرة الذاتية في الأدب العربي، وإقبال عدد كبير من الأدباء والمثقفين على قراءتها، يُلاحظ أن فن السيرة الذاتية لا يزال بعيدا عن اهتمامات النقاد العرب. فباستثناء بعض الدراسات النادرة مثل كتاب إحسان عباس ( فن السيرة الذاتية، 1956) و(السيرة: تاريخ وفن) لماهر حسن فهمي 1970، و(الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث) للدكتور يحي عبد الدائم 1975، و”السيرة الذاتية في الأدب العربي”، لتهاني عبد الفتاح شاكر2002، و( الكتابة والوجود ـ السيرة الذاتية في المغرب) للناقد والروائي المغربي عبد القادر الشاوي، لن يكون يسيرا العثور على دراسات أخرى كثيرة ذات قيمة تُذكر مخصصة لفن السيرة الذاتية في الوطن العربي بشكل عام وفي اليمن بشكل خاص.

ويبدو لنا أن عددا قليلا جدا من الأدباء اليمنيين هم الذين بادروا إلى نشر سيرهم الذاتية. وفي الحقيقة نحن لم نستطع حتى الآن القيام برصد مدونة أدب السيرة الذاتية التي أنجزها الكتاب اليمنيون. وفي ظل غياب مثل هذا الرصد أو أي دراسة سابقة لأدب السيرة الذاتية في اليمن – حسب علمنا-  رأينا أن نقوم بقراءة سريعة لكتاب (استعادة الزمن المفقود) الذي أكد القاص المرحوم عبد الله سالم باوزير أنه الجزء الأول من سيرته الذاتية. في السطور الآتية، بعد أن نتأكد من مدى مطابقة نص (استعادة الزمن المفقود) لمعيارية جنس السيرة الأدبية، سنقوم بدراسة الأبعاد السردية والقصصية فيه، ثم سنتناول أثر أسلوب “مزج باوزير بين العام والخاص” في تلك الأبعاد السردية والقصصية.

1-                    استعادة الزمن المفقود  ومعيارية فن السيرة الذاتية

من المعلوم أن السيرة الذاتية جنس أدبي أثار وما زال يثير جدلا مستمرا حول طبيعته كجنس أدبي منفصل أو متداخل مع أجناس أدبية أخرى. وهذا الجدل النقدي لم يحسم حتى في اللغات الأوروبية التي أضحت السيرة  الذاتية من أهم الأجناس الأدبية فيها. فحتى الناقد الفرنسي فيليب لوجون لم يصل في كتابيه (السيرة الذاتية، وميثاق السيرة الذاتية) اللذين يعدان اليوم مرجعين أساسيين في نقد السيرة الذاتية، إلى استنتاجات نهائية وحاسمة.

ومع ذلك نرى أنه من الضروري بمكان أن نستعرض هنا تعريفا لهذا الجنس الأدبي الملتبس قبل أن نتناول كتاب (استعادة الزمن المفقود) لعبد الله باوزير. يعرف فليب لوجون في نصه المرجعي الأول السيرة الذاتية على أنها”سرد استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك حينما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة”. ويفصل تعريفه قائلا: “يعتمد هذا التحديد على عناصر تتعلق بـ1- وضــع المؤلف ( تطابقه مع الراوي). 2- موقف الراوي (تطابقه مع الشخصية الرئيسية). 3- منظور النص وشكله ( سـرد استعادي نثري). 3- الموضوع المعالج: (حياة فرد، تاريخ شخصية).

والسؤال الذي سنحاول الإجابة عنه هنا هو: هل يحتوي كتاب (استعادة الزمن المفقود) على عدد كاف من العناصر التي تجعلنا نؤكد أنه السيرة الذاتية للقاص اليمني عبد الله سالم باوزير؟

يؤكد فيليب لوجون في كتابه “ميثاق السيرة الذاتية” أن أي سيرة ذاتية تفترض نوعا من الاتفاق بين المؤلف والقارئ بشأن طبيعة النص. وبموجب هذا الميثاق يحتوي النص على ما يثبت أن الأحداث التي يستعرضها الكاتب هي وقائع أو حقائق تاريخية وأن الشخصيات المقدمة في النص هي لأفراد حقيقيين. والميثاق هنا نوع من العرف الأدبي ويتكون من علامات تدل على طبيعة النص الأدبي داخل النص نفسه أو في هامشه: كالعنوان والعنوان الفرعي والمقدمة والتصدير وكلمة الغلاف الخلفي وكلمة الناشر. وفي ظل غياب مثل تلك العلامات في هامش كتاب (استعادة الزمن المفقود) بحثنا داخل النص نفسه ووجدنا أن المؤلف عبد الله سالم باوزير يقدم لنا نصه باعتباره سيرته الذاتية. فهو عند حديثه عن البيت الذي سكن فيه حين وصوله أول مرة إلى عدن سنة 1954، يكتب “هذا السكن هو الذي استوحيت منه (سفينة نوح) التي نُشرت مسلسلة عام 1971 في مجلة (الفنون) ثم صَدرت في كتيب سنة 1981. وهذا النص هو جزء من قصة حياتي وحياة من عاش في تلك الفترة والتي سأنقل لكم نتفا منها خلال هذه السيرة لأنها تعد محطة مهمة من حياتي وجزءا من تاريخ عدن في تلك الفترة التي عشت فيها منذ وصولي عدن عام 1954 وحتى قبيل الاستقلال”. كما يتحدث عن (استعادة الزمن المفقود) كجزء من سيرته الذاتية في الفصل الثالث عشر. (ص 117)

وبالإضافة إلى ذلك، في (استعادة الزمن المفقود) هناك تطابق تام بين المؤلف عبد الله سالم باوزير الذي يبرز اسمه في الغلاف والراوي الذي يسرد الأحداث بضمير المتكلم والشخصية الرئيسة التي يتم سرد حياتها: القاص اليمني عبد الله سالم باوزير. فمن الواضح أن الهدف الرئيس الذي يسعى مؤلف (استعادة الزمن المفقود) إلى تحقيقه يكمن في شرح الكيفية التي تكوّن بها القاص اليمني عبد الله باوزير.

فالسيرة الذاتية –  كما هو معلوم – أداة للتعبير عن شخصية تشعر بتميزها وتفردها. وبعكس بعض الشخصيات اليمنية التي أقدمت على نشر سيرها الذاتية نتيجة – على ما يبدو- لشعورها بأهمية الدور الذي قامت به في الحياة الاجتماعية أو السياسية لليمن (مثل مؤلف “خمسون عاما في الرمال المتحركة قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن” أو مؤلف “من بيروت إلى حضرموت: سيرة اجتماعية سياسية ذاتية، أو مؤلف “شاهد على العصر”)، نعتقد أنّ مؤلف (استعادة الزمن المفقود)، عبد الله سالم باوزير يشعر أن تميزه وتفرده اللذين يبرران إقدامه على نشر سيرته الذاتية يكمنان أساسا في كونه قاصا. لهذا فهو يكرس الجزء الأكبر من نصه لعرض المكونات التي أسهمت في دفعه تجاه الكتابة القصصية. فهو يركز على رصد العناصر التي خلقت لديه حب فن القص ونمته وأصلته.  فيذكر أنه في أول مدرسة التحق بها في غيل باوزير (مدرسة الحصن) لم يجذب انتباهه إلا “أستاذ فاضل” كان يروي للتلاميذ كثيرا من الحكايات والأساطير تحت شجرة بيدان ضخمة. (ص 59)

وليس من الغريب أن يحظى المؤرخ سعيد عوض باوزير باهتمام كبير في كتاب (استعادة الزمن المفقود). فلهذا الخال – وتحديدا لمكتبته –  دور استثنائي  في تربية القاص عبد الله سالم باوزير وغرس حب القراءة فيه حينما كان طفلا. فهو يعترف: “كان لمكتبة خالي المؤرخ سعيد عوض باوزير الدور الرئيس في تعلقي بالقراءة؛ فقد كانت تلك المكتبة تحتوي على العديد من الكتب المتنوعة وعدد من المجلات والصحف العربية التي كانت تصل إليه بانتظام على الرغم من صعوبة المواصلات في تلك الفترة” (ص 60) ففي تلك المكتبة قرأ باوزير الصحف والمجلات مثل (سندباد وآخر ساعة والهلال) وعددا كبيرا من الكتب مثل سلسلة كامل كيلاني والابراشي للأطفال، وكذلك كتاب ألف ليلة وليلة، وسلسلة أرسين لوبين وروايات جرجي زيدان وبعض الروايات الأجنبية المترجمة التي تنشر في سلسلة روايات الهلال. وفي الفصل الثامن عشر (ص151)، يشير عبد الله باوزير أنه بعد وصوله مباشرة إلى عدن في منتصف الخمسينات من القرن الماضي توطدت علاقته بمكتبة البلدية (ليك) التي كانت تضم  كثيرا من الكتب العربية الأجنبية المترجمة، ويؤكد أنه قرأ فيها “كل مؤلفات الكاتب الأمريكي أرنست همنجواي إلى جانب كتاب من فرنسا مثل موباسان وفيكتور هوجو. ومن بريطانيا تعرف على سومرست موم وبرنارد شو وغيرهم”.

ويذكر باوزير كذلك أن من أهم الروافد التي أسهمت في تكوينه الثقافي والأدبي النشاط المسرحي الذي  كانت تنظمه المدرسة الوسطى بالغيل حينما كان الطفل باوزير في عامه الدراسي الثاني. ففي هذه المدرسة شاهد عروضا لمسرحيات محلية ومسرحيات  من روائع الأدب العالمي مثل مسرحيتي (عطيل) و(هاملت) لشكسبير، أو مسرحية (أوديب) لسوفوكليس.(ص 61)

ومما يؤكد انتماء (استعادة الزمن المفقود) إلى جنس السيرة الذاتية طبيعة المادة التي يقدمها المؤلف في الكتاب. فمن السهل أن نتبيّن أن عبد الله سالم باوزير يتناول في هذا الكتاب مختلف جوانب حياته الشخصية في مرحلة الطفولة والشباب. فمقارنة بالأديب اليمني زيد مطيع دماج الذي لم يتحدث في نصه السير ذاتي (الانبهار والدهشة) إلا عن حياته في تعز ومصر وأغفل كل شيء عن حياته في القرية، يتناول باوزير طفولته في غيل باوزير ويقدم لنا تفاصيل دقيقة عن عائلته ولاسيما شخصيتي الأم والأب. كما أنه لا يتردد في القول إن أباه قد أصيب بمرض نفسي خطير ومات مقيدا في (الجدلة). ويتحدث كذلك عن فقر عائلته ويقول إن جدته كانت “تحطب”، وأمه كانت تخيط بيدها لتسهم في توفير لقمة العيش.

لا ريب في أن عبد الله سالم باوزير قد برهن – من خلال تقديمه لتلك التفاصيل – على شيء من الجرأة التي يفتقدها كثير من السير الذاتية العربية التي صدرت في القرن العشرين.  ومع ذلك يحق لنا أن نتساءل: هل أفصح باوزير حقا عن كل شيء؟ أم أنه قد أخفى بعض التفاصيل المتعلقة بحياته؟

يؤكد باوزير في كتابه (استعادة الزمن المفقود) على استقامته  وطبعه الهادئ …. ففي الفصل الذي سماه “بين يدي الجنس اللطيف” مثلا، يتحدث عن كيفية اختيار خطيبته، وعن عدم مغازلته لزبوناته مثلما كان يفعل زميله عبد الرحمن في أول دكان لبيع الأقمشة عمل فيه في عدن. ومع ذلك فهو يعترف أنه قد تعلم من زميله فن كسب الزبائن من الجنس اللطيف حيث يقول: “وفعلا بدأت أتعلم منه طرقته متتبعا كل خطواته، وإن لم أكن أحمل سحره الذي كان يفتن به بعض الصبايا إلا أنني استبدلت طريقته تلك بدماثة الخلق وبكلمات الترحيب التي أغدقها عليهن”. (ص12)

وتجدر الإشارة إلى أن الحياء يمكن أن يمنع مؤلف السيرة الذاتية من ذكر أمور تخصه هو  وكذلك أمور تخص الناس الآخرين المشاركين معه في الأحداث. ولا يتعلق الحياء بالأمور العاطفية فقط (كما قد يتبادر إلى الذهن) بل يتعلق أيضا بمعلومات قد يتنافى ذكرها مع القيم والأعراف الاجتماعية. هكذا نلاحظ أن باوزير لا يتردد أحيانا في ذكر كثير من الأسماء الحقيقية للناس الذين يحيطون به. لكنه يخفي بعضها الآخر. فهو يذكر مثلا اسم التاجر بامطرف، لكنه يضع نقط مكان اسم أول تاجر عمل عنده في عدن (الحبيب…….). ( ص 133) ويمكن أن نشير كذلك إلى أن باوزير قد تحدث مرات عدة عن خاله وجده لأمه، لكنه لم يقل كلمة واحدة عن جده لأبيه.

2- الأسلوب القصصي في سيرة باوزير

يعتمد عبد الله سالم باوزير في كتابه (استعادة الزمن المفقود) على أسلوب “نثري استعادي” أي سردي، لا يختلف كثيرا عن الأسلوب الذي استخدمه في مجموعاته القصصية وفي كتابه (رحلة إلى بومبي) وكتبه الأخرى. وقد سبق أن قمنا بدراسة سابقة أثبتنا فيها مدى افتتان باوزير بفن السرد، وإتقانه. ونكتفي هنا بالتأكيد على أن الأبعاد السردية التي تبرز في معظم فصول هذه السيرة الذاتية تجعلها أشبه بحكاية تمتد في عدد من الفصول.

ومن أهم العناصر القصصية التي استخدمها عبد الله باوزير في سيرته: الحوار. فالفصل الأول من الكتاب ينتهي بالحوار الذي سمعه المولود الجديد يدور بين أمه وأبيها عوض الذي كان يريد أن يُسمى المولود باسمه. وفي الفصل الثاني يستخدم المؤلف أسلوب الحوار بشكل ذكي ليقدم بعض المعلومات المتعلقة بالكيفية التي تم بها زواج أمه من أبيه وطلاقهما لفترة محدودة تزامنت مع تاريخ ميلاده. (ص47-48) ويؤكد عبد الله سالم باوزير أن أمه قد أخبرته بتلك التفاصيل (بعد أن بلغت السبعين!!) خلال حوار دار بينه وبينها في عيادة طبيب أسنان. (ص 49) ومن أبرز المواقف التي لجأ باوزير فيها إلى الحوار في الفصل السادس (أبي) الذي يتضمن قصة السيد ورفيقه الجني عمروش بن همروش الذي أحضر الحلوى الحارة من المكلا  “بسرعة تفوق سرعة الطائرة الكونكورد أضعافا مضاعفة”. (68)

وبالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نلاحظ أن باوزير يعمد أحيانا إلى استخدام بعض تقنيات القصة القصيرة الخيالية في صياغة بعض جوانب من حياته. فهو في الفصل الأول من سيرته الذاتية، يحكي لنا لحظة ميلاده بطريقة فنية تقترب من أسلوب الفانتازيا وذلك حين يمزج بين أنا الراوي والأنا المروية ويجعل المولود هو الذي يحكي اللحظات الأولى التي قضاها في هذه (الدار) الدنيا على النحو الأتي: “في مخزن مظلم، بين قفف التمر، وبجانب جحر للفئران، وفي الموقع الذي وضعت فيع قطتنا صغارها منذ أسبوع، سقط رأسي قضاء محتوما، ومنذ تلك اللحظة من فجر اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 1357هـ 30 مارس 1938م صرت واحدا من سكان كوكبنا الأرضي، ومن فصيلة بني البشر بالذات، عليّ ان أتطبع بطباعهم وأحذو حذوهم في حماقاتهم….وزاد صراخي شراسة حينما رأيت بقعا من الدم قد غطت أرضية ذلك الكوكب من تحتي. لكني بعد حوالي نصف ساعة أحسست بالسكينة عندما غسلوني ونظفوني ووضعوني في فراش لين في مكان معتم”. (ص 45)) 

إن هذه الأمثلة تبيّن لنا أنه يمكننا أن نقرأ (استعادة الزمن المفقود) بوصفها نموذجا لسيرة قاص اشتهر بتداخل الواقعي والمتخيل في حياته وأدبه. فمن جهة، لا ريب أن عبد الله باوزير قد استطاع أن يستفيد من حياته في إثراء قصصه القصيرة، بتجربة عميقة وواسعة، جعلت منها أعمالاً أدبية لها نكهتها المميزة. فكما يسعى القاص باوزير في (استعادة الزمن المفقود) إلى تفسير تكوينه، فهو يقوم كذلك بتقديم بعض “المفاتيح” لقراءة عدد من جوانب قصصه القصيرة. فهو لا يتردد مثلا في تحديد بعض الشخصيات الواقعية التي تعرّف عليها في طفولته ويؤكد أنه قد اعتمد عليها لتصوير بعض شخصياته الخيالية. فيذكر مثلا  أنه قد استخدم أحد زملاء الدراسة في مدرسة الحصن، الذي “خلق بشيء من البلادة”، ليرسم شخصية بطل قصته الطويلة (يا طالع الفضاء).

3- المزج بين الخاص والعام ( وتعليق السرد)

بما أن موضوع السيرة الذاتية هو “حياة المؤلف وتاريخ شخصيته” كما يقول فيليب لوجون، فأي سيرة ذاتية تتضمن بالضرورة عددا كبيرا من التفاصيل المتعلقة بحياة المؤلف. وهذا ما نجده في (استعادة الزمن المفقود). لكن هذا لا يعني أن عبد الله سالم باوزير لم يتناول في كتابه بعض الموضوعات والأحداث التاريخية العامة التي لا تلتصق مباشرة بتجربته الشخصية. فجنس السيرة الذاتية لا يقف عند تعرية الذات، بل يسعى كذلك إلى تسليط الضوء على المحيط الاجتماعي والزمني الذي تتحرك في إطاره تلك الذات. وقد استطاع باوزير أن يمزج ببراعة بين تفاصيل حياته الشخصية وبين الأحداث التاريخية التي التقطها من ذاكرته. فهو يضمن سيرته الذاتية أبرز الأحداث السياسية والاجتماعية التي وقعت في أثناء الفترة التي تناولها وذلك على مستوى اليمن وعلى مستوى الوطن العربي. 

ففي نهاية الفصل الثاني عشر مثلا (ص 112) يتحدث باوزير عن حادثة القصر الشهيرة التي جرت في مدينة المكلا في 27 ديسمبر سنة 1950. ويذكر أنه قد استوحى منها لوحة فنية ومن تلك اللوحة استمد قصة قصيرة للأطفال نشرها في مجلة (وضاح) في نهاية الثمانينات. وينهي هذا الفصل بالحديث عن قيام الثورة المصرية في يوليو 1952 ويؤكد أنها قد أثرت تأثيرا كبيرا في تكوينه الثقافي والوطني”.

وفي بداية الفصل الثالث والعشرين يستطرد المؤلف في الحديث عن غليان الأجواء السياسية والوطنية في حضرموت بتأثير ثورة يوليو المصرية بقيادة عبد الناصر. ويشير إلى أن “الوعي الوطني أخذ ينتشر بين الشباب المتعلم وبعض فئات الشعب, وساعد في ذلك تحرر بعض الأقطار العربية والأفريقية في تلك الفترة”. أما في الفصل السابع عشر فيكتب “في هذا العام وصل إلى عدن الموسيقار فريد الأطرش ليقيم بعض الحفلات الغنائية لحساب رجل الأعمال حسين خذا بخش. وقد عاشت عدن أياما ممتعة وحافلة بالفن المصري الأصيل. وكان فريد الأطرش مكان حفاوة من كل أفراد الشعب اليمني”. (ص 142) وبالإضافة إلى ذلك كرس باوزير الفصلين العاشر والحادي عشر بأكملهما (من ذكرياتي في شهر رمضان وأفراح العيد ص 91-106) لتقديم عدد من التقاليد والعادات في غيل باوزير. و قد أدى هذا التقديم إلى اختفاء شخصية المؤلف والأحداث من هذين الفصلين. ونتج عن ذلك توقف السرد الذي حل في مكانه العرض والتقديم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: