السرد اليمني

(نصوص إبداعية ودراسات في الرواية والقصة القصيرة والسيرة وأدب الرحلات)

  • باوزير وفتنة السرد

  • العنف في الرواية اليمنية

  • باكثير والرواية التاريخية

  • خطاب المقدمات عند المقالح

العنف في الرواية اليمنية

Posted by alsard في نوفمبر 5, 2011

العنف في الرواية اليمنية منذ عام 1990

د. مسعود عمشوش

في دراسة كرسناها لـتطور الرواية في اليمن خلال عقدي السبعينات والثمانينات ونشرناها في مجلة الثقافة الجديدة في مطلع عام 1991 بعنوان (بنية القرية وبناء الرواية: تعثرات الرواية في اليمن) لاحظنا أن العدد المحدود جدا من الروايات اليمنية التي صدرت في تلك المدة قد سعى في الغالب إلى تصوير جوانب من صراع الشعب اليمني في شطريه الجنوبي والشمالي ضد قمع الاستعمار والإمامة والسلاطين أو ضد القوى المتحالفة مع تلك الأنظمة. هذا ما نجده في روايات مثل (الرهينة) و(صنعاء مدينة مفتوحة) و(طريق الغيوم) و(هموم العم قوسم). وتبيّن لنا أيضا أنه بتأثير هيمنة مذهب الواقعية الاشتراكية والأدب الملتزم  اهتم بعض الروائيين بتجسيد الصراع الطبقي في نصوصهم الروائية. هذا ما فعله مثلا حسين سالم باصديق في روايتيه (عذراء الجبل) و(الإبحار على متن حسناء)، أو أحمد فدعق في روايته (القرية التي تحلم). ولاحظنا كذلك أن بعض الروايات، مثل (يموتون غرباء) و(قرية البتول)، قد ركزت على تصوير حياة اليمنيين ومعاناتهم في المهجر وآثار تلك المعاناة في حياة أهلهم في القرى اليمنية.

وخلال استقرائنا لواقع الرواية في اليمن خلال الخمس عشرة سنة الماضية تبيّن لنا أن الرواية في اليمن لم تنجز – نوعيا وكميا- تطورا موازيا للتطور الذي أنجزته القصة القصيرة أو القصيدة في اليمن خلال المدة نفسها. ومن الواضح كذلك أن استمرار تعثر الرواية في اليمن يتعارض مع ما حققته الرواية من تقدم في بعض الأقطار العربية الأخرى كمصر والجزائر. ومن ناحية أخرى لاحظنا أن عددا من الروايات اليمنية التي صدرت منذ سنة 1990 قد أعطى اهتماما كبيرا لتصوير مظاهر العنف الاجتماعي والسياسي والعسكري والجنسي التي اتخذت أبعادا واسعة ومتنوعة في الأدب اليمني بشكل عام منذئذ؛ وهو عنف يختلف تماما عن العنف المرتبط بالصراع ضد الإمامة والسلاطين والإنجليز الذي صورته روايات السبعينات والثمانينات. ولأهمية هذه الظاهرة رأينا أن نكرس لها هذه الدراسة التي سنركز فيها على رواية صالح باعامر: (المكلا) ورواية وجدي الأهدل: (حمار بين الأغاني).

  العنف في رواية (المكلا) لصالح باعامر

إذا كان صالح باعامر قد أراد في روايته الأولى (الصمصام) أن يحتفي بشكل شاعري رومانسي بالبحر الذي كان قد كرس له مساحة مهمة في قصصه القصيرة التي نشرها قبل إصداره لـ (الصمصام) سنة 1993، فهو في روايته الثانية (المكلا، 2004) يبكي البحر وشواطئه، ويبيّن أشكال العنف التي تعرّض لها ذلك البحر الذي “تقهقرت أمواجه فانكمشت العاطفة وتحجرت القلوب وغدا البحر الذي ربّينا وسطه وأحببناه بعيدا عنا” (ص7). ويؤكد بطل هذه الرواية أنه قد “عرج على الشاطئ فوجده ليس هو” (ص13) إذ أن “الآليات تستبيح الرمل المتلألئ، تدفن الكثبان، تعيق انسياب البحر، مما دفع بعشاقه وهواة الصيد إلى الابتعاد إلى أمكنة أبعد لاصطياد السمكات التي يودون اصطيادها” (ص32). يا سوبان!

وإذا كان راوي (الصمصام) لم يهتم إلا بسرد الأحداث المرتبطة بطفولة بطله السحيم  وتكوينه وحياته العاطفية، ففي رواية (المكلا) يركز الراوي/البطل على أشكال العنف الذي تعرض لها خلال أهم محطات الصراع العنيف الذي شهده الشطر الجنوبي من اليمن منذ عام 1969 وحتى بعيد قيام الوحدة اليمنية في عام 1990. في بداية الرواية، يقوم رجال أمن غامضون باختطاف الراوي/البطل، وهو أحد المثقفين المبدعين الذين، بعد أن كانوا ينادون بأدب واضح وملتزم، اضطروا إلى “الابتعاد عن الوضوح واللجوء إلى الغموض”. وقبل أن يقرر المختطفون التخلص من الراوي أو “لحسه” يحققون معه ويسألونه عما إذا كان قد ذهب إلى البوسنة والشيشان وكشمير أو إلى أفغانستان. وفي أثناء عملية “الاعتقال/الاختطاف” يستعيد الراوي/البطل فصول “ذلك الشريط السينمائي من مسلسل الصراع بين رفاق الأمس أعداء اليوم، الذي بدأ بالاختلاف حول مصير الثورة والاشتراكية: يمين، يسار، يسار انتهازي، يمين رجعي، انحراف، زمرة، طغمة..” وخلال تلك الاستعادة يركز الراوي على أشكال العنف الذي تعرض لها اليمن وهو شخصيا، في أعوام 1969 و1978 و1986. ففي سنة  1978 أودع البطل في سجن المنورة مدة ثلاثة شهور بتهمة التآمر على النظام، أي بدون سبب. وفي 13 يناير من عام 1986 كان الراوي/البطل في عدن حيث “رائحة الدم تزكم الأنوف، وأشلاء الجثث متناثرة هنا وهناك. شارع المعلا صار مظلما، أنابيب الماء غدت جافة، المطاعم أقفلت. أكاد أموت جوعا وعطشا…” (ص 23)

وبالإضافة إلى هذا العنف “العام” هناك أنواع أخرى من العنف (الكافكاوي) يتعرض لها الراوي/البطل على مستوى حياته الشخصية: فتيار الكهرباء قطع عن سكنه. وكذلك الماء. وبما أنه لا يدري لماذا قـُبـِِض عليه هذه المرة يتساءل: “لقد كثرت الاختفاءات والاختطافات هذه الأيام. فهل هذه الأخبار حقيقة أم بقصد الإثارة الصحفية ليزداد توزيع الصحف وبيعها؟ أم أنها تدخل ضمن منظومة المزايدات الحزبية التي اتخذت مسارا مختلفا بعد الوحدة ودمج نظامين سياسيين مختلفين؟ هل أنا أحد المختفين أو المخطوفين؟ ولِـم لم تنشر عني أي صحيفة من هذه الصحف؟ السؤال هل أنا موقوف أم مخطوف أم معتقل أم سجين؟” (ص30-31)

ومن الطبيعي أن تختفي من رواية (المكلا) اللغة الشاعرية التي كتب بها صالح باعامر روايته (الصمصام) والتي شدت انتباه عدد من النقاد مثل عمر محمد عمر وعبد الرحمن الأهدل الذي يؤكد أن “في الرواية جزءا من سيرة الفنان صالح باعامر فهناك بعض التفاصيل الدقيقة في السرد لا يمكن أن يحيط بها المتخيل أو يلتقطها ما لم تكن التجربة الشخصية متماسة معها إلى حد كبير”. وتختفي كذلك أغاني الحب وأناشيد الأطفال والأهازيج الدينية التي تتناثر في رواية (الصمصام) لتحل مكانها في رواية (المكلا) أغان تعكس استمرار العنف والخراب. ففي صفحة 15 يستغرب البطل/الراوي من أن كرامة مرسال قد غيّـر كلمات أغنيته (أزمة وعدّت) وأصبح يردد “أزمة ولا زالت، عروقها سبحت، وفروعها طالت”! وحينما تعرّض الراوي للابتزاز من قبل رفيقه/خصمه سعيد الذي قاده – بسبب مخالفته له للرأي- إلى سجن المنورة، ردّ عليه بأغنية المحضار التي تقول “لـي خربوا دار بصعر با يخربونك، خذ خمس، خذ عشر، لابـدّ  لك من خراب”! ص46.

 العنف في رواية (حمار بين الأغاني) لوجدي الأهدل:

يبدو لنا أن من أبرز الأهداف التي سعى وجدي الأهدل إلى تحقيقها من تأليفه لرواية (حمار بين الأغاني): فضح بعض مظاهر العنف اليومي الذي يمارسه الناس بشكل شبه عفوي إلى درجة أنه يكاد يصبح جزءا من حياتهم اليومية. فـ”في أول الشارع الذي لم يتبرع أحد بتسميته حدثت مشادة بين أصحاب الدكاكين وموظفي البلدية، وفي وسطه وقع حادث تصادم مريع بين باص صغير وقاطرة محروقات أودت بحياة أربعة من ركاب الباص وأصيبت طفلة تصادف مرورها وقت الحادث بحالة بكاء عصبية ذهبت بعقلها…” (ص167). وتبرز الرواية إلى أي مدى أصبحت بعض أشكال العنف (عادية) وتتستر داخل العادات والأحكام الاجتماعية المسبقة. فمثلا تبيّن لنا الرواية أنه  لا أحد يمكن أنْ يشك في السلوك الشاذ لإمام مسجد يستغل موقعه ليهتك أعراض الصبية. وبالمقابل ليس هناك أحد مستعد أن يفكر في براءة علي جبران النائب الاشتراكي الذي أشاع المتشددون “عنه أنه ماركسي ملحد، وما صلاته وعبادته وتمسكه بشعائر الإسلام إلا بغرض كسب أصوات عوام الناس في الانتخابات”. (ص97)

كما تصور رواية (حمار بين الأغاني) أشكالا أخرى للعنف الاجتماعي الذي لا يمكن تفسيره أحيانا إلا بارتفاع مستوى الجهل الذي لا يزال يعاني منه بعض أفراد المجتمع اليمني. فـ(الغشي)، مثلا، يدعو أبناء عمه الأربعة بمناسبة عودتهم من الخليج، وبعد الوليمة يدخل عليهم “حاملا بندقية كلاشينكوف بطنها عامر بالرصاص ويقتل ثلاثة منهم”. كل ذلك لأن عيّاش رضي أن يزوج بنته أروى من واحد منهم: الحدي. (ص166)

أما العنف الجنسي فتصور رواية (حمار بين الأغاني) أشكالا مختلفة منه: تبدأ من تلصص (كبش) على النساء عبر النوافذ أو بالمنظار المقرب، وتنتهي بالسادو-مازوشية التي يمارسها علي جبران الذي كان يعاني من العجز الجنسي، و”يخلي ثايرة لما قدها راقدة ويقوم يربطها من أيديها ورجليها ويحشي فمها بخرقة، وبعدها يقوم لها ضرب بالحزام لما الفجر” (ص244). وتقدم لنا هذه الرواية كذلك مشاهد لاعتداءات جنسية أشد عنفا. ففي وضح النهار يخرج شاب من سيارة صالون “أبو دبة” شاهرا مسدسه ويمسك ثائرة من ذراعها ويحاول إجبارها على الصعود معه تحت تهديد السلاح. وفي الشارع أيضا يمسك (كبش) بيد زينب ويحاول أن يجرجرها بالقوة إلى بيته لأنه “محتاج دروس خصوصية” (ص104-106). ومرعب أيضا سلوك الشيخ هلال الذي يحول جلسات العلاج بالقرآن إلى فرصة لإشباع رغباته الجنسية.(ص67)

وفي بعض الأحيان تمزج رواية (حمار بين الأغاني) بطريقة ذكية العنف الجنسي والعنف العسكري والعنف السياسي. فمثلا حينما كانت ثائرة – بطلة الرواية-  تسير وسط السوق “يذكـّرها العجيج المتعالي من وقوقة الدجاج وزعيق الباعة ومساومة الزبائن بضجيج المظاهرات الطلابية الحاشدة التي شاركت فيها احتجاجا على رفع أسعار الوقود، وأفلتت منها ضحكة خافتة حينما تذكرت شقاوتها في تلك المرحلة، يوم كانت تحمل كاميرا فيديو لتصور قمع شرطة مكافحة الشغب لزملائها بالعصي الكهربائية والغازات المسيلة للدموع، فلما انتبهوا لما تفعل طاردوها وأطلقوا عيارات نارية في الهواء لتخويفها، فتوارت بين مجموعة من زملائها وأخرجت شريط الفيديو وخبأته بين فخذيها، وعندما وصل الجنود صادروا الكاميرا، ولكن واحدة من زميلاتها – كانت تعمل لحساب الأمن- نبهتهم إلى مخبأ الفيلم.. وامتدت عشرات الأكف الغليظة الخشنة في حنايا جسدها…”. (ص28-29)

 وإذا كان صالح باعامر يستخدم الحروب الأهلية التي شهدها الشطر الجنوبي من اليمن في عامي 1978 و1986 كخلفية لمظاهر العنف العسكري في روايته (المكلا)، فوجدي الأهدل يوظف حرب صيف 1994 ليرفع من حدة العنف في روايته الثانية (حمار بين الأغاني) المنقـّطة بغارات الطائرات الحربية وصواريخ “سكود التي تـُرسل مع التحية من قاعدة العند  الجنوبية” (ص179)، والتي تتداخل بشكل ملتبس مع  إجراءات التحقيق في حوادث الاغتصاب والقتل البشعة التي تعرضت لها كل ثائرة عبد الحق محمود والمدرسة زينب والممرضة أروى عياش، إلى درجة أن المرء يتساءل في لحظة من اللحظات إذا كانت الحرب هي التي أدت إلى موت ثائرة، زوجة النائب الاشتراكي علي جبران، التي عُثِر على جثتها فوق جبل “قربوس سام بن نوح”. ففي صفحة 133 نقرأ: “اجترأت الغربان على الاقتراب من الجثة إلى مسافة أمتار قليلة.. ولم يحرك الضابط سيف ساكنا، واكتفى بالتحديق ذاهلا في المنظر الخرائبي الماثل أمامه. وبعد دقائق سمع صوت طائرات حربية نفاثة تخترق السماء من الجنوب إلى الشمال، ثم تبع ذلك صوت انفجارات مدوية جعلت الأرض تهتز تحت قدميه، وبعد عدة طلعات هجومية تصدت الدفاعات الأرضية للطائرات المهاجمة وأجبرتها على الانسحاب. تأمل الضابط سيف ما حصل وأدرك أن الحرب قد قامت بين الشمال والجنوب وخمن أنها لن تتوقف حتى تلتهم أكثر من عشرين ألف قتيل”.

 ومن اللافت كذلك أن وجدي الأهدل، مثل صالح باعامر ومحمد يحي الإرياني وحبيب سروري، يسعى إلى تضمين روايته حوليات إحدى الحروب الأهلية اليمنية وقراءة خاصة لمسارها. (انظر الصفحات 133 و134 و161 و 198 و208 و211) 

وفيما يتعلق بالعنف اللغوي في رواية (حمار بين الأغاني)، نلاحظ أنه أقل حدة من المستوى الذي بلغته لغة (قوارب جبلية) الرواية الأولى لوجدي الأهدل. ومع ذلك يمكن أن نجد في الرواية الثانية لوجدي الأهدل بعض العبارات الصادمة. فحين يشتد الشجار بين زينب والجزار الذي يعاكسها في الشارع تقول له: “أنت أقذر إنسان لقيته في حياتي.. ومهما غسلت وجهك ما عتقدرش تخليه نظيف، عارف للمه؟

قال الجزار وقد ارتسمت على شفتيه الغليظتين ابتسامة لا مبالاة بلهاء: للمه؟

قالت زينب بلهجة هجومية وغضبها يتصاعد ويبلغ أوجه: لأن أرحم الراحمين خلق الناس من تراب وأنت وحدك خلقك الله من ………!” (ص170-171)

أثر العنف في بنية الرواية اليمنية:

أشار عدد من النقاد إلى تفكك البنية السردية في (قوارب جبلية) الرواية الأولى لوجدي الأهدل. ويبدو لنا أن هيمنة العنف بأشكاله المختلفة هي التي أدت إلى تشظي السرد في تلك الرواية وجعلها تبدو وكأنها مجموعة من القصص القصيرة المتناثرة، وليس عدم قدرة المؤلف على صياغة نصه كما أراد له أن يكون. وليصور مدى قدرة مرتكبي العنف على الاختفاء والتمويه والتستر اضطر وجدي الأهدل في روايته الثانية (حمار بين الأغاني) إلى استخدام بناء الرواية البوليسية الذي يذكرنا ببنية أفلام رعاة البقر الأمريكية، وذلك حينما يجعل ضابط الأمن سيف هو نفسه القاتل. وكذلك يفعل باعامر في روايته الثانية (المكلا) التي استخدم فيها نوعا من أنواع المونتاج (أو الكولاج) رصّ بواسطته أجزاء الرواية بشكل يكسب النص، بالإضافة إلى بنية سردية “حديثة”، شيئا من الغموض يبدو أن الراوي – الذي يؤكد أنه لا يعرف إن كان موقوفا أم مخطوفا أم معتقلا أم سجينا – يريد الحفاظ عليه. ويمكن أن نشير كذلك إلى أن محمد يحي الارياني قد حاول هو أيضا أن يعطي لروايته (نحو الشمس شرقا) بنية مثيرة حينما جعل من بطلة الرواية (نضال الضحياني) أرملة لعوب وتطاردها المخابرات لأن في حوزتها حقيبة تحتوي (مخططات حل الوحدة اليمنية، وكل الشفرات المتعلقة بالعملية، وبجهات التمويل”. ص67.

ومن الواضح كذلك أن اتساع ظاهرة العنف قد أثرت في البنية الزمنية والمكانية للرواية اليمنية. فبالنسبة للزمن، بدلا من التركيز على فترة النضال ضد الإمامة أو الاستعمار نلاحظ أن كثيرا من الروائيين يميلون إلى اختيار سنوات الحروب الأهلية اليمنية 1969 و1978 و1986 و1994. وكذلك فيما يتعلق بالمكان يمكن أن نلمس تراجع مكانة القرية والمهجر في الرواية اليمنية. وبالمقابل نجد أن بعض الروائيين على نقلوا أحداث رواياتهم حتى دون مبرر إلى مدينة عدن التي أضحت تجسد عنف المكان في الرواية اليمنية. هذا ما لاحظناه مثلا في رواية (المكلا) لصالح باعامر. وكذلك فعل حبيب عبد الرب سروري في روايته (الملكة المغدورة). فعلى الرغم من أن راوي /بطل رواية (الملكة المغدورة) لحبيب عبد الرب سروري كان سنة 1986 يقيم في فرنسا، فهذا لم يمنعه من لـَيِّ رقبة السرد ليصور مطاردة القتلة لصديقه عدنان داخل أروقة مستشفى الجمهورية في عدن، وليؤرخ لحرب أخرى من أعنف الحروب الأهلية وأشرسها في تاريخ اليمن الحديث التي سقط فيها الآلاف من الناس من بينهم عدنان، قائلا: “ماذا حدث من غرابة في صباح 13 يناير؟ لا شيء غير عادي. […] ربما لا شيء غير عادي، إذا نسينا أن تناسخ المؤامرات والكذبات الكبيرة والضربات المقيتة في الحياة السياسية اليمنية سوف تلد كما فعلت دائما. وستتجه دورات العنف الخسيس حتما نحو الهاوية، نحو واحد من انفجاراتها الهائلة القاتلة: اصطفت السلطة والجيش والسكان في عشيرتين كبيرتين، وأعلن كل منهما ولاءه لأكثر الشعارات صوابا وتقدمية، و”أممية بروليتارية”.  كانت الأقنعة التي ألصقت طويلا بالوجوه قد فصّلت لتناسب الوجوه ويضنها الجميع مخلصة. رأت كل عشيرة في الآخر شرا مطلقا، وعدوا ينبغي ذبحه؛ معارك قديمة: قبلية عشائرية مزينة اليوم بعطورات الصراع الطبقي، وفقا لتحليل (عدنان السبعينات). الساعة العاشرة صباحا ضربت إحدى العشيرتين ضربتها… انفجرت أفظع الحروب في تاريخ اليمن شاملة، عنيفة، وصاعقة. كسبتها العشيرة التي كانت مذبحة المماليك قد أعدت لذبحها، وانتصرت الضحية فانهمكت في القراءة المفصلة لجميع بطاقات هوية المارة لإفناء العشيرة التي بدت الحرب بالقدر نفسه من الخسة والشؤم…” ص109-110

هل هناك هيمنة اليوم للعنف في الرواية اليمنية أكثر مما كان عليه الحال قبل 1990؟

هناك من يرى أن العنف كان وسيظل من أبرز السمات الملازمة للنصوص الأدبية بشكل عام، والروائية منها بشكل خاص.(انظر: نعيم الشريف: العنف في الأدب الإنساني أو لعنتنا الدائمة، وعزت إبراهيم: ظاهرة العنف ومدلولاتها في الخطاب الروائي والقصصي). ومن المؤكد أن الروايات اليمنية التي كتبت بعد سنة 1990 قد تجاوزت بعض الموضوعات (كالهجرة والكفاح ضد الإمامة والاستعمار والصراع الطبقي) التي هيمنت في الروايات التي صدرت قبل تلك المرحلة. وإذا كانت الروايات اليمنية قد أخذت خلال السنوات الأخيرة تركز على “حزمة البعد السياسي وحزمة الجنس” كما يقول الناقد عبد الرحمن الأهدل في (شهادته عن الرواية اليمنية، الملحق الثقافي لصحيفة الثورة 21 فبراير 2005) فمن المؤكد أيضا أن تلك الروايات قد تعاملت مع السياسي والجنسي من منطلق أنهما منفذان لممارسة العنف والقمع. وهناك من يربط  اتساع رقعة العنف في الرواية اليمنية برغبة الأدباء في تعرية واقع سياسي واجتماعي تـُخلي فيه الديمقراطية المكان لأحادية الرؤية وقمع الآخر المختلف. هذا ما يحاول أن يجسده صالح باعامر في روايته (المكلا). ففيها يجد الراوي/البطل نفسه دائما مقموعا ومن قبل أطراف سياسية متناقضة، الأمر الذي يثير دهشته ويجعله يتساءل: “ماذا أفعل؟ في ذلك الزمان أوقفت بتهمة الانحراف عن الخط الأيديولوجي، وقبل أيام حقق معي مضيقي الذي صار الشيخ محسن باعوني بتهمة الإرهاب، واليوم يتهمني الشيخ عمر بالليل بالشيوعية..ماذا أفعل؟” (ص100-101)

وهنالك من يرى أن اتساع ظاهرة العنف في الرواية اليمنية يعكس في المقام الأول مدى ترسّخ بعض العادات الاجتماعية السلبية في المجتمع اليمني. وعلى رأس تلك العادات ظاهرة الثأر. فحتى الروائية اليمنية الشابة هند هيثم، التي لم تتجاوز بعد الثامنة عشرة من عمرها، لم تسلم من لوثة (كتابة) العنف. فروايتها الثانية (حرب الخشب) تكشف إلى أي مدى لا يزال الآباء والأبناء مشدودين إلى تلك العادات العنيفة وذلك تحت مبرر الحفاظ على الشرف. فعمر سالم، بطل الرواية وراويها- الذي يحمل اسم عدو عشيرته (عمر سالم)، لن يستطيع- حتى وإن كان قد أصبح طالبا في كلية الطب – أن يتهرب من الخضوع لطقوس الثأر التي أصبحت تشكل عرفا اجتماعيا لا يمكن تجاهله. فهو يعترف: (قتِل ماهر عبد الوهاب، فعلها عمي منصور. سأقتل الآن ماهر. لابد من الحفاظ على شرف القبيلة. من أقتل؟.. حرب ثأرنا، حرب الخشب، أكملت أربعين عاماً، تماماً كحروب العرب الشهيرة، حرب البسوس، وحرب داحس والغبراء، كلها دامت أربعين عاماً، واختلط الحابل بالنابل، فلم يعد أحد يعرف من الظالم ومن المظلوم، ومن المعتدي والمعتدى عليه) ص76. وقد خلصت الأستاذة وجدان الصايغ في نهاية دراستها لرواية (حرب الخشب) إلى القول بأن هذه الرواية قد “استطاعت أن تلامس تراجيديا الثأر ودواماته الشرسة ومنذ العنونة التي سخرت من صيرورة الثأر طوفاناً يجتاح الأمكنة وانواتها فلا يتركها إلا هشيماً تذروه الرياح، وقد أعلنت الرواية في أكثر من مفصل عن رؤاها إزاء ما يحصل على الأرض ومرارتها وهي ترقب انفلات فراشات الحضارة واحتراقها في هجير الثأر هذا الحدث المكارثي العابث بشراسة بإنسانية الذات البشرية ووجودها” (26 سبتمبر 21 ابريل 2005)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: