السرد اليمني

(نصوص إبداعية ودراسات في الرواية والقصة القصيرة والسيرة وأدب الرحلات)

  • باوزير وفتنة السرد

  • العنف في الرواية اليمنية

  • باكثير والرواية التاريخية

  • خطاب المقدمات عند المقالح

روايات باكثير التاريخية

Posted by alsard في نوفمبر 5, 2011

روايات علي أحمد باكثير التاريخية في النقد العربي

د. مسعود عمشوش

(لا بد أن يثار من الإشكالات حول ما يكتب عن هذا العمل أضعاف ما يثار حول العمل الفني نفسه، وإن يراه  كل دارس من زاوية خاصة، وتلك هي ميزة كل عمل إبداعي جيد وجاد)1

مقدمة:

علي أحمد باكثير واحدٌ من أغزر الكتاب العرب إنتاجا، وأكثرهم تنوعا. فهو ألـّف أكثر من خمسين عملا إبداعيا: مسرحيا وروائيا وشعريا، حظيت جميعها بنجاح كبير حين صدورها. وحازت روايتاه الأولى (سلامة القس) والثانية (وا إسلاماه) على جوائز تقديرية عندما نشرتا سنة 1943 وسنة 1944. ومنذ عام 1945أدخلت الثانية ضمن المقررات الدراسية في مصر وبعض الدول العربية الأخرى. وحتى سنة 1956 ظلت مسرحيات باكثير بين أكثر الأعمال المسرحية حضورا في مسارح القاهرة. كما يعدّ علي أحمد باكثير رائدا لشعر التفعيلة في الأدب العربي، ورائدا للرواية التاريخية الإسلامية، وللمسرحية السياسية العربية. وعلى الرغم من ذلك كله نجح رموز النقد اليساري في التعتيم عليه منذ عام 1956 وحتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي بسبب اختلافهم مع مبادئه وآرائه في الأدب والحياة والسياسة. وقد تناول فاروق خورشيد في مقال نشره في 15 نوفمبر 1969 بعنوان (علي باكثير المفترى عليه) ذلك الغبن والإهمال الذي تعرض له باكثير قائلا: “لم يظلم النقد الأدبي كاتبا – على كثرة من ظلمهم- كما ظلم علي أحمد باكثير صاحب المغامرات الكثيرة في دنيا القلم وعالم الكتابة. وقد ظـُلِم باكثير حيا؛ فقد تناساه النقاد أو تعمدوا نسيانه رغم كتبه التي جاوزت الثلاثين، ورغم محاولاته في دنيا المسرح ودنيا الرواية ودنيا الدراسات وعالم الشعر الرحب. كما أسرع الدارسون والنقاد بعد وفاته بإغلاق صفحة الحديث عنه بعد مقال هنا وكلمة هناك، وحفلة تأبين باهتة في هذا المحفل الأدبي، وحفلة أخرى خلت من المحتفلين في محفل أدبي آخر. وهذا الموقف الظالم من واحد كعلي باكثير إنما يمثل تمثيلا صحيحا مرض العصر في دنيا النقد الأدبي، إنه مرض المواقف، فلا يكفي الجهد العاني الذي يبذله الكاتب طوال عمره بحثا وتنقيبا ثم معاناة وتجربة ثم تعبيرا عن كل هذا في صبر وموالاة ليكون جواز مرور عند الحكومة الأدبية التي تسيطر على منابر النقد وتمسك بزمام التاريخ الأدبي والفني”.(2)

ويفسّر الدكتور عبد العزيز المقالح إهمال النقاد المتعمد لباكثير على النحو الآتي: “كان النقد في مصر في عقدي الخمسينيات والستينيات نقداً ايديولوجياً يعكس الصراع الحاد بين مد اليسار وجزر اليمين. ولما كان باكثير على خلاف مع اليسار ولا يثق باليمين ولا يرى في فكره المتحجر التعبير الواعي عن روح العصر كانت النتيجة أن تجاهله التياران وضربا من حوله نطاقا من القمع الصامت”.(3)

ومن ناحية أخرى يرى الدكتور عبد العزيز المقالح أن “إحساس باكثير الحاد بالاضطهاد والإهمال وتأجج الانفعالات ربما كان وراء ذلك الكم الهائل من الإبداع. كما كان الشعور الخفي بأوجاع الغربة والحنين دافعاً عميقاً لمواجهة الإحساس المفعم بالملل”.(4)

واذا كان علي أحمد باكثير قد عانى في حياته وبعد مماته وحتى مطلع التسعينات من غبن النقاد وظلمهم، فمنذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي حظي بقدر لا بأس به من اهتمام النقاد والأكاديميين، لاسيما من أصحاب التيار الإسلامي. واليوم يمكن أن نؤكد أن باكثير أصبح من الأدباء العرب الذين كـُتِب عنهم الكثير من الكتب والدراسات والرسائل الأكاديمية. كما أن بعض الأكاديميين لم يترددوا في إدخال نصوص لباكثير في مناهج أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات العربية.

وعلى الرغم من ذلك يؤكد الدكتور عبد الله حسين البار- رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين- في مطلع هذا العام أن أدب باكثير لم يحظ حتى الآن بالتقييم العلمي الدقيق، وأنه لا يزال مجالاً مفتوحاً للدراسة والنقد المنهجي والتقييم. ويضيف “لقد أصيب باكثير بآفة النقد؛ فهناك نقاد يدافعون عنه وكأنه لا مبدع سواه، وهؤلاء هم من ينسبونه إلى ما يسمى بالأدب الإسلامي ويجعلون أنفسهم أوصياء على أدب هذا الرجل، ومنهم من يأخذون الأعمال الضعيفة من أعمال باكثير ويسلطون عليها الضوء، ويوهمون الناس أن ليس لهذا الأديب الا مثل هذه الأعمال. وهذا تقييم عاطفي وليس تقويماً علمياً ومنهجياً يمكن أن يساعدنا على معرفة ما لباكثير من قدرات إبداعية ومكانة أدبية”.

 ولكثافة ما كتب عن باكثير وأعماله المختلفة رأينا أن نكرس هذه الدراسة للوقوف أمام ما كتبه النقاد والأكاديميون عن روايات باكثير التاريخية فقط. وقد خصصنا الجزء الأول من الدراسة للأسباب التي يرى النقاد أنها دفعت باكثير لتوظيف التاريخ في تلك الروايات. وفي الجزء الثاني تناولنا بعض المقاربات النقدية لمحتوى روايات باكثير التاريخية. أما الجزء الأخير فقد أفردناه للنقد الذي تناول الجوانب الفنية لتلك الروايات.

أولا: لماذا اللجوء للتاريخ؟:

من أبرز القضايا التي تصدى لها معظم النقاد عند تناولهم لروايات باكثير التاريخية: الأسباب التي دفعت علي أحمد باكثير إلى توظيف التاريخ في تلك الروايات. وقد رأى بعضهم أن الظروف السياسة والاجتماعية التي عاشتها البلاد العربية والإسلامية في الأربعينات من القرن الماضي كانت عاملا مهما في توجيه باكثير وزملائه من الروائيين العرب الشباب جهة التاريخ، وذلك بهدف إسقاط أحداث الماضي على الواقع الذي كانوا يعيشونه.

ففي دراسة بعنوان (الاتجاه الإسلامي في روايات علي أحمد باكثير التاريخية) يكتب د. حسن سرباز، الأستاذ المساعد بجامعة كردستان الإيرانية: “كانت الظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها الدول العربية والإسلامية في تلك الفترة أحد العوامل الأساسية وراء انصراف الكتـّاب إلى التاريخ واستمداد نماذجهم الفنية من بطونه، إذ إنها كانت فترة صراع ضد الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي، وقيام دولة اسرائيل على أرض فلسطين، ومن ثم اندفع بعض الكتـّاب إلى إحياء بعض الأمجاد التاريخية وتخليدها في شكل روائي”.(5)

و قد قدم الدكتور عبد العزيز المقالح التفسير نفسه في دراسته (علي أحمد باكثير والرواية التاريخية)، قائلا: “تبدو رواية الثائر الأحمر نقطة ارتكاز مثلى لدراسة الرواية التاريخية عند باكثير؛ فهي رواية بالغة الأهمية لأسباب كثيرة، فقد كتبت ونشرت في فترة أعقبت التغيرات السياسية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وما ترتب على تلك التغيرات من أوضاع اقتصادية وتناقضات وتدهور في العلاقات الاجتماعية على مستوى العالم وفي كل قطر على حدة. وكانت الرياح تهب على مصر أكثر الأقطار العربية تطورا في محاولة لاقتلاعها من الجذور. وقد صاحبت تلك الفترة نزعة واعية في التحليل تركت أثرها في الكتابات الصحفية والأدبية وفي مناقشات البرلمان، وظهرت تعابير جديدة مثل (تحديد الملكية والقضاء على الإقطاع وتأميم وسائل الإنتاج العامة)، وترددت ألفاظ جديدة مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية. وفي هذه الفترة نفسها هبّ المفكرون الإسلاميون المستنيرون يجلون وجه الإسلام الحقيقي ويزيلون عن صفحته الذهبية ما علق بها من صدأ قرون الانحطاط والانقطاع ويبينون أنه ما كان الإسلام ولن يكون في يوم من الأيام في موقف التضاد مع ظاهرة العدل الاجتماعي. وفي ظروف هذا الواقع وفي زحمة الاشكاليات الاجتماعية والاقتصادية ظهر كتاب (العدالة الاجتماعية) للأستاذ سيد قطب، وظهر كتاب (الإسلام والمناهج الاشتراكية) للشيخ محمد الغزالي. وفي سياقهما ظهرت رواية (الثائر الأحمر حمدان قرمط – قصة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية في الكوفة) للكاتب المسرحي الروائي علي أحمد باكثير. وقد عاد باكثير، كما عاد غيره من المحافظين المستنيرين إلى استلهام الجذور خوفا من الاغتراب والوقوع في المحذور. وقد وجد نفسه وجها لوجه مع نماذج وأشكال عديدة للحركات والتيارات الإسلامية التي تعبر –صوابا أو خطأ – عن أشواق الإنسان إلى العدل الاجتماعي والتحرر من العبودية والاستغلال”.(6)

 وإذا كان د. حسن سرباز يرى أن هدف باكثير من العودة إلى التاريخ يكمن في إحياء بعض الأمجاد التاريخية وتخليدها في شكل روائي، فالمقالح يخلص إلى أن باكثير يعود إلى التاريخ بغرض نقده والتعبير عن موقف نفسي وعقلي وثقافي تجاه الأحداث المؤلمة التي يعيشها في الحاضر. ففي سياق تحليله لرواية (الثائر الأحمر) يتساءل المقالح “ما القيمة التاريخية التي يتوخاها كاتب ليس مؤرخا، كاتب محسوب على التيار الإسلامي المستنير من وراء الحديث عن القرامطة إن لم يكن بهدف إسقاط ذلك الحدث على واقعنا المعاصر الحافل بالتيارات المختلفة الهادفة – كما تدعي- إلى تحرير الإنسان من الاستغلال والعبودية”. ويجيب المقالح في الصفحة نفسها: “تحاول الأعمال الروائية التاريخية للكاتب علي أحمد باكثير بعث حقبة تاريخية غامضة أو معروفة تصل في كثير من الأحيان إلى درجة الأمانة والدقة لا يتوخاها المؤرخون أنفسهم كما في رواية (وا إسلاماه)، وفي بعضها الآخر يتوسل الكاتب بالتاريخ أو يستعين به لإجراء عملية إسقاط على الحاضر لا بغرض نقده وحسب وإنما هي تعبير عن موقف نفسي وعقلي وثقافي ووليدة مفاهيم وجدت في الحياة المعاصرة فكان لا بد من التعبير عنها في سياق اجتماعي تاريخي معادل أو مشابه… إن روايات باكثير التاريخية تثير التأمل في الواقع الراهن أكثر مما تثير التأمل في الواقع القديم “.(7)

ويتطابق رأي الدكتور أبوبكر الباكري مع رأي الدكتور المقالح. فهو لا يرى أن باكثير يسعى – من خلال استدعائه لمراحل تاريخية معينة في رواياته- إلى إحياء بعض الأمجاد التاريخية، بل إلى العثور على معادل موضوعي فني يمكنه من التعبير عن مشكلاته الخاصة ومشكلات الأمة الإسلامية عامة. ففي خاتمة كتابه (روايات علي أحمد باكثير التاريخية: مصادرها.. نسيجها الفني.. إسقاطاتها) يقول: “تبيّن لنا أن باكثير لا يبحث في التاريخ عن الأمجاد والانتصارات بقدر ما يبحث عن معادل موضوعي لمشكلته ومشكلات العصر، فمشكلته الذاتية حدته على اختيار مشكلة سلامة القس، لأن ثمة تشابها بين المشكلتين. وتكالب الأمم الاستعمارية على الدول العربية والإسلامية استدعى مرحلة غزو التتار وسقوط الخلافة في بغداد، ودخول الفكر الشيوعي إلى المنطقة العربية ومناداته بالعدالة الاجتماعية استدعى مرحلة القرامطة، والخلاف الذي حدث بين عبد الناصر ونجيب بعد ثورة مصر وظهور ملامح الخيانة في الأفق استدعى مرحلة الصراع بين شاور وضرغام وخيانة شاور وبطولة ابنه شجاع الذي رفض هذه الخيانة. وعندما عبد الناصر بقتل خصومه وتشريدهم وحبسهم، وبقي وحده يسير إلى الهزيمة استدعى هذا سيرة مصعب بن الزبير. إذن الواقع المعاصر بما يعتلج فيه من مشاكل سياسية واجتماعية هو المتحكم في اختيار المادة التاريخية لدى باكثير”.(8)

وإذا كان الماضي يمكن أن يكون – في روايات باكثير التاريخية- سياقا اجتماعيا تاريخيا معادلا أو مشابها للحاضر والواقع الراهن، فهو يمكن أن يشكل أيضا وسيلة لتكوين نظرة تنبؤيه/استشرافية للمستقبل. ويتحدث عن هذه القيمة الاستشرافية لروايات باكثير التاريخية الدكتور محمد بن يحيى أبو ملحة قائلا: “من خلال رواياته التاريخية ألقى باكثير الضوء على واقع أمته ومارس إسقاط الواقع على التاريخ، ومساءلة المعاصر من خلال التراث، واستشراف المستقبل عبر العودة إلى الماضي”.(9)

أما الباحث عبد الرحمن صالح العشماوي فيفضل أن يطلق على هذه القيمة: “النظرة البعيدة أو سمة التوقع”. ويرى أن “باكثير تميّز بقدرة بارزة على توقع ما سيحدث في مقتبل الأيام فيما يتعلق ببعض الأحداث السياسية، وليس ذلك من باب النبوءة، أو معرفة ما ينطوي عليه المستقبل، ولكنه أثر من آثار المتابعة الجادة لما يجري في واقع الحياة من أحداث يتصل بعضها ببعض”.(10)

ويرى الدكتور حلمي القاعود في موقف حمدان حين اكتشف حقيقة المذهب القرمطي في نهاية (الثائر الأحمر) خير تعبير لقدرة باكثير على التنبؤ بما ستؤول إليه مختلف “المذاهب القرمطية”. “وهكذا يأتي إعلان فشل المشروع القرمطي على يد منفذه وقائده، بينما المشروع الإسلامي الصحيح من خلال صورته التي قدمها أبو البقاء البغدادي للخليفة كان يزدهر وينتصر ويحقق الأمل للفقراء والكادحين والصناع والمظلومين، بلا عنف ولا دماء، ولا ريب أن باكثير كان يشير أو يتنبأ بفشل مشروعات معاصرة مشابهة كما فشل المشروع القرمطي، بينما يرى المشروع الإسلامي هو البديل الذي لا مفر منه”.(11)

ويري الدكتور الإيراني حسن سرباز أن لجوء باكثير للتاريخ يهدف أيضا إلى “فهم ذلك التاريخ والتبصر فيه والاتعاظ منه لإحياء التراث الإسلامي والقيم والمثل التي ازدهرت في حضانته، وبناء مستقبل أفضل بإعادة تشكيل الحياة المعاصرة وبث روح الأمن والطمأنينة في النفوس البشرية، وذلك لأن التاريخ يعتبر حقلا للتجارب الإنسانية التي مرت بها الأجيال السابقة، ويمكن أن تستفيد منها الأجيال اللاحقة”.(12)

ويفسر بعض النقاد لجوء باكثير إلى التاريخ برغبته في الهروب من الرقيب والتعبير بحرية عن آرائه ومواقفه المختلفة. ففي دراسته عن (الثائر الأحمر.. وفشل المشروع القرمطي) يقرر د. حلمي محمد القاعود أن باكثير “آثر أن يتجه في كتاباته الروائية والمسرحية إلى التاريخ، معيناً ثرا يغترف منه الحوادث والظروف المشابهة لما تمر به الأمة العربية الإسلامية في العصر الحديث، فيجد هناك الرحابة والقدرة على التعبير الحر الطليق الذي يتيح له أن يسكب على الورق ما يعتمل في نفسه من هموم وأشجان، وآمال وطموحات، يفرزها عصره وواقعه، وإذا عرفنا أن الفترة التي عاشها باكثير ونضج فيها، كاتبًا مبدعًا، وشاعراً متمرسًا، كانت حافلة ومثيرة، فضلا عن مناخ عام كان يقف بالمرصاد لمحاولات التعبير التي تخالف ما هو سائد في الساحة الإعلامية، عرفنا لماذا جنح باكثير إلى التاريخ يلبسه قناعًا يتحدث من ورائه بما يريد أو عما يريد، ففي التاريخ – على كل حال – مساحة آمنة، وأكثر رحابة، يستطيع الكاتب على أرضها أن يصول ويجول، دون أن تعترضه مخاوف أو محاذير، كذلك فإن التاريخ حافل بالنماذج الساطعة التي يمكن أن تحتذى في الواقع المعاصر الذي يخلو منها، وتصميه الهزائم والمحن فلا يجد مفراً من الهروب إلى التاريخ كي يجد فيه السلوى والتئام الجراح ويستعد مرة أخرى للمواجهة واتخاذ زمام المبادرة”.(13)

وهذا ما يؤكده د. محمد بن يحيى أبو ملحة في مقدمة دراسته عن (التوظيف الفكري والفني للشخصية الثانوية في روايات علي أحمد باكثير) إذ يقول: “الرواية التاريخية توفر للكاتب غطاء آمنا يتنقل من خلاله وينتقد الأوضاع السائدة، ويقدم الحلول الناجعة دون أن يضطر إلى النقد الصريح للقوى القائمة في عصره”.(14)

ويعتقد د. حسن سرباز أن هناك سببا أدبيا صرفا وراء لجوء باكثير للتاريخ يكمن في الانتشار الواسع للرواية التاريخية في تلك الفترة. فباكثير “اختار الرواية التاريخية وتوقف عندها ولم يتخلص من قبضتها إلى نوع آخر من الرواية المعاصرة، وذلك لأنه برز في فترة كانت الرواية التاريخية من أكثر الفنون القصصية شيوعا وانتشارا بحيث ظهر عدد كبير من الكتاب المصريين الذين استخدموا التاريخ القومي والإسلامي موضوعا لفنهم الروائي، ومنهم عادل كامل ونجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار ومحمد فريد أبو حديد ومحمد سعيد العريان”.(15)

ويضيف الدكتور محمد أبوبكر حميد بدوره سببا آخر للجوء باكثير للتاريخ يكمن في الرغبة في “تصوير الشخصيات التاريخية من خلال رؤية إنسانية واسعة تخرجهم من إطار الواقع التاريخي الضيق إلى آفاق عالمية”.(16)

ذكرنا أن بعض النقاد يرون في لجوء باكثير للتاريخ محاولة آمنة للعثور على معادل واقعي مشابه للحاضر يستطيع من خلاله تقديم نماذج يمكن أن تحتذى في الواقع المعاصر. وإذا كان د. عبد الله الخطيب بيّن في خاتمة كتابه (روايات علي أحمد باكثير: قراءة في الرؤية والتشكيل ص149) أن باكثير قد “تقيّد في جميع رواياته بالحدث التاريخي العام، ولم يحور الحقائق التاريخية؛ بل أضاف عليها أو حذف ضمن إطار الأمانة في إبقاء الحقيقة على حالها”، فقد لاحظ الدكتور أبوبكر البابكري أن باكثير لا يتردد في بعض الأحيان في وضع عناصر “تاريخية” من خياله حينما لا تكفي معطيات التاريخ لخلق معادل مقبول للحاضر بمختلف مكوناته. هكذا “نجد في رواية (وا إسلاماه) أن سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام قد أنشأ حركة سرية تقاوم حاكم دمشق الخائن، الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وتناصر حاكم مصر الملك نجم الدين أيوب، وينضم (قطز) إلى هذه الحركة التي ترمز إلى الحركة الإسلامية المعاصرة، لأننا لم نجد لها أصلاً في التاريخ، بل هي إسقاط خيالي من المؤلف. فالتوتر بين حركة ابن عبدالسلام وحاكم دمشق يناظره في الواقع التوتر بين حركة الإخوان المسلمين ونظام الملك فاروق، وإسقاط حاكم دمشق، ووصول الأمير قطز ابن حركة ابن عبدالسلام إلى الحكم في مصر يناظره ما تحقق في الواقع بعد سبع سنوات من إسقاط النظام الملكي ووصول عبدالناصر – كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين – إلى الحكم في ثورة يوليو1952م”.(17)

كما يرى البابكري في حركة أبي البقاء البغدادي في رواية (الثائر الأحمر) معادلا “تاريخيا” آخر ابتدعه خيال باكثير لحركة أخوان المسلمين والحركات الإصلاحية الإسلامية المعاصرة بشكل عام. (أبوبكر البابكري: الأديب الكبير علي أحمد باكثير أول دعاة الإصلاح في اليمن، من إصدارات دائرة الإعلام والثقافة بالتجمع اليمني للإصلاح، صنعاء)

وقبل أن ننهي هذا الجزء من الدراسة ينبغي الإشارة إلى أن كثيرا من النقاد الذين تناولوا روايات باكثير التاريخية عمدوا إلى إجراء مقارنة بين طريقة جورجي زيدان في توظيف التاريخ الإسلامي في رواياته وبين طريقة باكثير في توظيفه. فمثل كثير من النقاد العرب (أنظر مثلا ما كتبه د. شوقي ضيف عن روايات جورجي زيدان في كتابه الأدبي العربي الحديث في مصر) ينتقد الدكتور عبد الله الخطيب أسلوب جورجي زيدان في توظيفه للتاريخ الإسلامي قائلا: “وإذ يحفظ لزيدان هذه الريادة الأدبية للرواية التاريخية يؤخذ عليه تزييفه الحقائق التاريخية التي تعمدها زيدان في رواياته وتشويه الشخصيات الإسلامية والتقول على التاريخ الإسلامي ما هو منه براء… بينما حرص باكثير في رواياته على اختيار أهم المواقف في التاريخ العربي الإسلامي، وهي مواقف السقوط والنهضة لتستخلص منها الأجيال الحاضرة محصلة التجربة، وتتجنب آفات الماضي ومزالقه وتستشرف المستقبل بوعي وإقدام مبني على التثبت والثبات والنهوض نحو الغد الباسم بخطوات تمكنها من ترك بصمات ناصعة في تاريخ الحضارة المعاصرة”.(18)

ومن خلال المقارنة بين لجوء جورجي زيدان إلى التاريخ ولجوء باكثير إليه يلاحظ الدكتور محمد جكيب أن الأول “لا يرمي من توظيف التاريخ سوى ذكر أحداث ونقل معالمها إلى فئات اجتماعية معينة، أو أن الهدف هو التاريخ في حد ذاته، لكن باكثير يوظف التاريخ بنبرة مختلفة وهي نبرة العبرة وأخذ الموعظة والدروس، وبذلك يبرز مرة أخرى جانب آخر من جوانب نظرية الكتابة السردية عند باكثير، وهي أن الكتابة بصفة عامة والكتابة السردية على وجه الخصوص ليست عبثا أو مجرد لذة، لابد لها من مرمى ومغزى تقود المتلقي إليه وتبني على أساسه حبكتها”.(19)

وعلى الرغم من أن جورجي زيدان وبعض الكتاب العرب الآخرين اعتمدوا قبل باكثير على التاريخ الإسلامي في رواياتهم التاريخية يرى بعض النقاد أن علي باكثير يعد الرائد الفعلي للرواية التاريخية الإسلامية في الأدب العربي. هذا ما يؤكده مثلا الدكتور عبد الله الخطيب بقوله: “على الرغم من العدد الوافر من الروائيين الذين كتبوا الرواية التاريخية في فترة متقدمة، إلا أن المنحى التاريخي يحتاج من القاص أو الروائي إلى وعي عميق ومعرفة شاملة بالحياة الاجتماعية خلال الفترة التي يؤرخ لها فنيا، وعلى ذلك جاءت أعمال باكثير التاريخية، فيها نوع ملموس من التوازن بين متطلبات الحياة الاجتماعية والفنية، وتطلعه الجاد نحو تأصيل فني للرواية التاريخية الإسلامية، وبذلك جاء الحدث التاريخي في رواياته مرتبطا بالرؤية الاجتماعية التي كانت تنطلق من التاريخ وتميل به إلى معالجة الواقع”.(20)

ثانيا: النقد الموضوعي لروايات باكثير التاريخية:

خلال العشرين سنة الماضية كتب كثير من النقاد والأكاديميين دراسات مطولة عن أدب باكثير بشكل عام وعن رواياته التاريخية بشكل خاص. ومن الواضح أن معظم تلك الدراسات ركـّزت في البداية على الجانب المضموني الدلالي لروايات باكثير. ومن اللافت أن طرق تقديم مضمون كل رواية من تلك الروايات تختلف من ناقد إلى آخر وفق الآراء والغايات المختلفة. ونكتفي هنا بعرض سريع لطرق تقديم محتوى رواية (الثائر الأحمر) – التي تعد الأنضج فنيا من وجهة نظر كثير من النقاد- وذلك في كتابات كل من: د. أبوكر البابكري ود. حلمي القاعود ود. عبد العزيز المقالح.

يقدم د. أبوبكر البابكري في كتابه (الأديب الكبير علي أحمد باكثير أول دعاة الإصلاح في اليمن) رواية (الثائر الأحمر) بطريقة تبرز الصراع الذي يدور بين القرامطة كجماعة وبين الخليفة، والعلاقة المتذبذبة (والمصلحية) التي تربط حركة أبي البقاء الإصلاحية بالخليفة الذي لا يتردد في استخدام جماعة أبي البقاء لمحاربة القرامطة، ووضعهم في السجن عندما يختفي خطر القرامطة ويضغط عليه الأغنياء- رمز الرأسمالية. وقد جاء التقديم على النحو الآتي: “تصوّر هذه الرواية الصراع بين الشيوعية والرأسمالية والعدل الإسلامي في العصر الحديث من خلال إسقاط ذلك على ثورة القرامطة في القرن الثالث الهجري تلك الثورة التي قادها حمدان قرمط في العراق، مؤسس دولة القرامطة التي تشبه دولة شيوعية حديثه.  وقد ابتدع خيال باكثير – داخل الرواية- حركة أبي البقاء البغدادي الإصلاحية كرمز للحركة الإسلامية المعاصرة. وتقوم هذه الحركة بمحاربة القرامطة – رمز الشيوعية – ومحاربة الأغنياء الفجرة كابن الحطيم وابن الهيصم، اللذين يظلمان الأجراء في مزارعهم – رمز الرأسمالية. وتطالب هذه الحركة الخلافة بتطبيق الشرع الإسلامي، وأن يجبر الحاكم الأغنياء على إخراج زكاة أموالهم، وأن يحارب القرامطة بعد أن يطبق العدل الإسلامي، وتتذبذب العلاقة بين الخليفة وحركة أبي البقاء، فتارة يطلق سراحه حين يزداد خطر القرامطة، لأن الفقراء والعمال والفلاحين ينفضّون من حول القرامطة، وينضمون إلى حركة أبي البقاء، الذي أنشأ لهم نقابات تطالب بحقوقهم وفق الشريعة الغراء، ولكن الأغنياء – رمز الرأسمالية – يخافون من دعوة أبي البقاء كما يخافون من دعوة القرامطة، لذلك يمارسون ضغطا قويا على الخليفة – كما تمارسه أمريكا اليوم – فيعتقل أبا البقاء ورفاقه فيودعهم السجن فتكون النتيجة عودة انتشار حركة القرامطة من جديد، فيضطر الخليفة لإطلاق سراح المصلحين ليواجه بهم القرامطة – وهذا ما فعله السادات إبان حكمه – وكأن باكثير يدعو إلى تعاون حقيقي وجاد بين الحركة الإسلامية والأنظمة يحقق الخير للناس، وليس تعاونا مصلحيا هشاً تحتمه الظروف. فعندما يستجيب الخليفة لمطالب حركة أبي البقاء، وينشئ ديوان الزكاة، وينتصف للمظلومين، ويلتحمان معا في محاربة ظلم الأغنياء، وكفر وفجور القرامطة ينتصران عليهما، ويتحقق العدل الإسلامي. وعندما يخذلهم الخليفة ويستجيب لضغط الأغنياء يكون العقاب وفقا للآية الكريمة التي صدر بها باكثير روايته (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) حيث ينتصر القرامطة، وينجحون في تكوين مملكة لهم ، فينشرون كفرهم وفجورهم على العباد”.(21)

من الواضح أن طريقة تقديم البابكري لرواية (الثائر الأحمر) حاولت أن تسقط محتوى الرواية على واقع بعض الأنظمة العربية المعاصرة لنا أكثر مما تسقطه على الواقع الذي عاصره باكثير عند كتابته للرواية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.

ويقدم الدكتور حلمي محمد القاعود رواية (الثائر الأحمر) بطريقة تهدف أساسا – في اعتقادنا – إلى تأكيد المحتوى الاستشرافي للرواية التي بشرت بسقوط الأنظمة الشيوعية في العالم وانتصار المشروع الإسلامي دون قتال أو سيف.  فهو يكتب: “تعالج الرواية ثورة القرامطة التي ترافقت – إلى حد ما- قيامًا وسقوطًا، مع ثورة الزنج في دولة الخلافة العباسية على مدى عقود عديدة في القرنين الثالث والرابع الهجريين. وتحكي قصة حمدان قرمط وابن عمه عبدان عندما تحولا من شخصين من عامة الناس الفقراء أو البسطاء إلى ثائرين يقودان الجموع ضد دولة الخلافة سعياً لما سمي “بالعدل الشامل”، وانتهت ثورتهما بالفشل الذريع بعد الإخفاق في تحقيق أي نوع من العدل(!)، وانهيار دولتهما التي أقيمت في جنوب العراق. وواضح أن الكاتب لم يسع إلى سرد القصة التاريخية للقرامطة فسحب، بل إنه كان يريد أن يحذر من تجارب مماثلة في الواقع الذي يعيشه، وهي تجارب انتهت أيضاً إلى الفشل الكامل، والهزيمة المريرة… ويوحي عنوان الرواية: “الثائر الأحمر” بأننا أمام شخص خارج على المألوف، يوصف الحمرة، وهذا الوصف يحمل في ذاته أكثر من دلالة، يرجع بعضها إلى الحقيقة باعتبار حمرة عينية، ويرجع بعضها الآخر إلى ما ترمز إليه الحمرة من معاني الثورة الدموية أو الصراع الدموي الذي نشأ عن حركة القرامطة ومن حولها، وفي كل حال، فإن دلالة العنوان واضحة، وتشي بمضمون الرواية في إيجاز شديد. وبخاصة حين نقارن هذه الدلالة بما نراه في الثورات المعاصرة والتي امتدت على رقعة كبيرة من العالم تبشر بالعدل والحرية والمساواة، مثل ثورة البلاشفة في روسيا 1917م، وثورة الصين الاشتراكية 1948، وثورات العالم الثالث وبخاصة في أمريكا اللاتينية (كوبا وأخواتها).. ويقسم على أحمد باكثير الرواية إلى أسفار أربعة، كل سفر يضم عدداً من الفصول تطول وتقصر بحسب المكان والأحداث، فلكل سفر في الرواية طبيعته أو تكوينه الذي يسهم به في بنائها، من حيث نمو الأحداث والشخصيات، وبيان مسرح الصراع الروائي. فالسفر الأول يضم أحد عشر فصلا، تشغل ثلث الرواية تقريبا، ويقدم فيه الكاتب المسرح الأساس، والشخوص الرئيسيين، ويستغرق طويلاً في وصف البيئة والأفراد والحياة، كما يشير إلى زمن الرواية، ويهيئنا في كل الأحوال لتوالي الأحداث، وصراع الشخصيات في بقية الأسفار، في السفر الثاني خمسة فصول، تتحدث عن البيئة الجديدة: بغداد التي انتقل إليها عبدان الشخصية الثانية المهمة في الحركة القرمطية، وتوضح كيف انتقلت من مرحلة إلى مرحلة وتحولت فكرياً بمساعدة الحركة السرية الباطنية إلى عضو فعال يتهيأ للعمل من أجل ما سمي بمملكة “العدل الشامل”، أو مملكة القرامطة. وفي السفر الثالث اثنا عشر فصلا، وتشغل ربع الرواية تقريباً، وتظهر فيها ذروة الصراع بتحقق مملكة القرامطة في جنوب العراق (الكوفة ما يليها من قرى وسواد)، وتطبيق المذهب الذي دعا إليه الباطنيون من أتباع “القداحين” الذين تمركزوا في بلاد الشام. أما السفر الرابع والأخير، فهو أكبر الأسفار حيث يضم ثلاثة وعشرين فصلاً، تشغل ثلث الرواية الباقي أو أكثر قليلاً، وتتلاحق فيه الأحداث والصراعات، حيث تنجلي مصائر الأطراف المعنية، والأفكار المتعارضة، والشخصيات المتصارعة.. وتنتهي الرواية بنهاية مأساوية للمشروع القرمطي، وانتصار المشروع الإسلامي دون قتال أو سيف”.(22)

أما الدكتور عبد العزيز المقالح فقد بادر إلى تقديم مضمون هذه الرواية بعد سنة فقط من وفاة باكثير أي سنة 1970، ثم قام بتقديمها مرة أخرى مع روايتي (وا إسلاماه) و(سلامة القس) بمناسبة انعقاد مهرجان باكثير في سيئون سنة 1986. وبعكس الدكتور أبي بكر البابكري الذي نظر – في تقديمه للرواية- للقرامطة كجماعة وحركة ونظام جماعي، ركز الدكتور عبد العزيز المقالح في تقديمه للرواية على شخصية البطل الثائر حمدان قرمط الذي قدمه في ست صور تقع في أكثر من 12 صفحة. وقد أثارت قراءته الأولى ردود فعل عنيفة، و”مواقف غريبة لأشخاص يدعون الحرص على التراث ثم يحاولون سد الطريق الوحيد المفتوح إليه ويرفضون إعادة صياغته وتشكيله وتفسيره”(23)

ولأن المقالح أعاد صياغة صور حمدان قرمط بطريقة مطولة رأينا أن نكتفي هنا بالخلاصة التي ضمنها  الدكتور منصور الحازمي مقالته النقدية لدراسة المقالح:

1-   حمدان الفلاح: وفيها نرى حمدان قرمط الأجير في قرية من قرى الكوفة يمسك بخطام ثوره يحرث الأرض ويشعر بالأسى لآن كدحه سيذهب معظمه لصاحب الأرض ابن الحطيم الشاب العاطل المشغول بملذاته وملاهيه.

2-   حمدان العيار: تزداد الثورة في نفس حمدان نتيجة ذلك الواقع الطبقي المؤلم فينظم إلى عصابة من العيارين يحابون الأغنياء بسرقة أموالهم انتقاما للفقراء.

3-   حمدان الباحث عن نظرية: وفيها نرى البطل الفلاح يبحث عن نظرية تبرر ثورته وحقده على الأغنياء، فيجدها عند ابن عبدان القرمطي، الفقيه الذي يرى وجوب إنصاف الفقراء من العمال والفلاحين والصناع ووجوب الثورة على الإمام برفع الظلم والمفاسد عنهم.

4-   حمدان الثائر: ونرى في هذه الصورة حمدان قرمط وقد رفع راية العصيان على الخليفة وتبعه الكثيرون من فقراء الكوفة. وقد اتخذ (مهيماباذ) دار هجرته (عاصمة الاشتراكية الأولى) التي يستأثر فيها أحد دون أحد بأرض أو مال، فلا غني ولا فقير.

5-   حمدان الاشتراكي: وفيها يقسم حمدان الأرض بين الفلاحين ليزرعوها ويستثمروها لأنفسهم، وقد أوجب عليهم نظام الألفة، وهو أن يؤدوا ما يفضل عن حاجتهم من الثمار والحبوب، ثم يوجب عليهم العام التالي التخلي عن الأرض للدولة ويوزع محصولها عليهم حسب حاجتهم.

6-   حمدان العيار- عود على بدء: وفي هذه الصورة نرى انهيار نظام حمدان قرمط نتيجة الفراغ النظري للاتباع والتشتت الفكري للثوار، بالإضافة إلى خيانة معظم القادة والإداريين الذين انشغلوا عن الثورة بالإثراء الفاحش وغير المشروع والمخالف للمبادئ التي ينادي بها الثائر الأحمر. ورجع حمدان إلى عصابة العيارين مرة ثانية”.(24)

ثالثا: النقد الفني لروايات باكثير التاريخية:

سبق إن ذكرنا أن الدراسات النادرة التي كرست لروايات باكثير قبل مطلع التسعينات من القرن الماضي ركزت أساسا على المضمون الدلالي للروايات ولم تهتم كثيرا بجوانبها الفنية. وتعد الدراسة التي قدمها الدكتور عبد العزيز المقالح عن (علي أحمد باكثير والرواية التاريخية) لمهرجان باكثير في سيئون سنة 1986 من تلك  الدراسات النادرة التي اهتمت بالجوانب الفنية في روايات باكثير التاريخية، وفيها يضع المقالح الروائي باكثير بين كتاب المرحلة الثانية في مسار الرواية العربية، التي تنتهي عند منتصف القرن العشرين، والتي سماها أيضا: المنعطف الانتقالي.

ويؤكد المقالح في دراسته تلك التزام باكثير بالأساليب الروائية التقليدية، ويعلل ذلك بكون الرواية التاريخية هي أقل أنواع الرواية اهتماما بالتجديد الشكلي. لكنه – رغم ذلك- يعود ويلاحظ أن باكثير يعد في السياق التاريخي لتطور هذا الفن روائيا مجددا إذ أنه استطاع أن يتجاوز معاصريه من كتاب الرواية التاريخية. ويبيّن ذلك قائلا: “بما أن باكثير قد اختار الرواية التاريخية وتوقف عندها، فأن القراءة الفنية لأعماله الروائية لن تخرج بسمات واضحة الملامح. صحيح أن روائيي المرحلة الانتقالية قد أضافوا إلى لغة الرواية وحاولوا التجديد في أساليبها إلا أنهم لم يتمكنوا من الخروج على القوالب الكلاسيكية ولم يبرأوا من التقليد. أما عن اختيار باكثير للرواية التاريخية فقد جعل رواياته تلتزم بصرامة الأساليب التقليدية في السرد والوصف وطريقة التركيب والتحليل، ولم يحاول وربما لم يفكر أن يستخدم أي عنصر من عناصر التكنيك الروائي الجديد. فقد امتلكته الأحداث وقاده التسلسل الزمني لهذه الأحداث إلى استقرائها في أزمنتها المحددة ومتابعتها في ظلال الواقع التاريخي. وحتى لا ننتقص من دور باكثير أو نسيء دون قصد إلى جهده الروائي ينبغي أن ندرس هذا الجهد في إطار مرحلته، وأن ننظر إلى باكثير باعتباره أحد المؤسسين للرواية التاريخية العربية؛ فقد سار بها خطوات تجاوزت ما كانت عليه في العشرينات والثلاثينات. وإذا كان الأستاذ أبو حديد قد تجاوز محاولات جورجي زيدان في الروايات التي تؤرخ للإسلام وتتجاوز أساليبه التقليدية بأساليب تجديدية هيأت للرواية التاريخية في مرحلة الانتقال فأن باكثير قد اقتحم عالم الرواية التاريخية متجاوزا كل الذين سبقوه”.(25)

ومن أبرز الملامح الفنية التي يرصدها المقالح في روايات باكثير التاريخية: المساحة الواسعة التي يشغلها الحوار فيها. ويؤكد أن “تجربة باكثير في التوسع في الحوار في رواياته تجعل أسلوبه يختلف عن بقية كتاب الرواية التاريخية. وربما جاءته هذه الخصوصية من كونه أساساً كاتباً مسرحياً أداته الفنية الأولى: الحوار. لذلك يبدو هذا العنصر معه سهلاً ومتماسكاً ومرتباً”.(26)

وبالإضافة إلى الحوار يرى المقالح أن روايات باكثير تتميّز عن غيرها من الروايات التاريخية العربية بجمال لغة الوصف الذي “يصعد إلى ذروة الشعر”. كما يتميز الوصف عند باكثير بطوله، إذ يغطي أحياناً صفحات كاملة كما هو الحال في الصفحات المكرسة لوصف (ليلة من ليالي الفسطاط) في رواية (سيرة شجاع).(27)

ورغم أن الدكتور حلمي محمد القاعود قد ركز في دراسته عن (الثائر الأحمر) على تحليل الأبعاد الدلالية للشخصيات الرئيسة والثانوية، فنحن نعثر في هذه الدراسة ملاحظات بنائية يندر أن نجدها في الرسائل العلمية التي تتبنى أحدث مناهج السرد البنيوية. من هذه الملاحظات: “تعتمد رواية (الثائر الأحمر) في السرد على استخدام ضمير الغائب المعتمد على الفعل الماضي، وهو يتناسب مع القص التاريخي من ناحية، ويتيح الكاتب فرصة تقديم الأشخاص والبيئة والأحداث من خلال حرية كبيرة وهندسة دقيقة، بحيث نرى عناصر الرواية، كلا في موضعه، دون زيادة أو نقصان”.(28)

وتحتوي رسالة الماجستير التي قدمها أبوبكر البابكري إلى جامعة صنعاء سنة 1994 بعنوان (روايات علي أحمد باكثير التاريخية: مصادرها.. نسيجها الفني إسقاطاتها) على دراسة فنية ضافية لروايات باكثير التاريخية. وقد تبيّن له في ختام الرسالة أن باكثير قد طور أدواته الفنية في روايات الأربع الأخيرة وتخلص من العيوب التي رزت في روايتيه الأولى والثانية. ويضيف “كما تطور فن الكاتب في استخدام النبوءات والأحلام كتقنيات فنية في شد الحدث وتشويق القارئ، وفي استخدام الإشارات الإيحائية التي تدعو ذهن القارئ للمشاركة في تفسير الحدث وتشوقه على الأقل لمعرفة رموزها فيما بعد. وفي فصل حركة الزمن تبيّن لنا أن باكثير يجيد أحدث تقنيات هذا العنصر الروائي: كالمنولوج الداخلي والاسترجاع والمشهد والقفزات الزمنية والتوافق إلخ. كما يجيد الافتتاح والختام أيضا. أما الزمن التاريخي فالمؤلف لا يتقيد به بتاتا، بل يخالفه في بعض الروايات ويخضعه خضوعا تاما للزمن الروائي. وتبين لنا في فصل الشخصيات مهارة باكثير في رسم الشخصيات الروائية، لاسيما الفاعلة والرئيسة منها… كما أجاد باكثير استخدام عنصري الزمان والمكان للكشف عن ملامح الشخصية الظاهرة والباطنة، وأجاد كذلك في دلالة الأسماء ورمزيتها”.(29)

وبعيدا عن المصطلحات الثقيلة التي يستخدمها السرديون استطاع الدكتور حلمي القاعود أن يبيّن مقومات فن الإثارة عند باكثير بلغة سلسة نلمسها في تحليله الآتي لحبكة (الثائر الأحمر): “إذا كانت الطبيعة الخارجية تقوم بدور الموسيقى التصويرية في الرواية وإضفاء لمسة جميلة على النص الروائي، فإن الكاتب يعمد إلى تشويق القارئ بصورة تحقق التفاعل بينه وبين الأحداث في تصاعد مستمر، وذلك من خلال الغموض  الذي يتلو غموضا سابقا يحله الكاتب على طريقته الخاصة، ولكنه في كل الأحوال يحدث نوعا من الجذب يسعى فيه القارئ لمعرفة سر الأحداث وتفسيرها. وهو ما يجعل القارئ حريصا على المتابعة حتى يصل إلى الذروة… ويمكن أن يمكن أن نعتبر الرواية كلها قائمة على التشويق المعتمد على إثارة الغموض، ثم جلائه، والانتقال إلى غموض آخر ثم جلائه.. وهكذا”.(30)

ومن أبرز الأكاديميين الذين كرسوا رسائلهم لروايات باكثير الدكتور طه حسين الحضرمي الذي أتكأ في رسالته المكرسة لـ (المنظور الروائي في روايات علي أحمد باكثير) على مناهج السرديات البنيوية لدراسة المستويات الأيديولوجية والمكانية والزمانية والتعبيرية والنفسية فيه، وذلك بهدف الإجابة على السؤال الآتي: هل باكثير الروائي فنان واع بأدواته الفنية؟ وقد خلص الباحث إلى أن روايات باكثير التاريخية لم تأت على نسق أيديولوجي واحد؛ ففي حين اعتمدت رواية (وا إسلاماه) على الصوت الواحد نهضت رواية (الثائر الأحمر) على تعددية الأصوات، بينما جمعت رواية (سيرة شجاع) بين هيمنة الصوت الواحد في مواضع معينة، واعتماد الأصوات المتعددة في المواضع الأخرى. وفي هذا المستوى يرصد الباحث ظاهرة لافتة في كل هذه الروايات، “تتمثل في حضور المؤلف المبدع بوصفه صوتا من الأصوات، سواء أكان هذا الحضور مباشرا على شكل هيمنة الراوي كما في (وا إسلاماه)، أو على شكل تعاطف كما في (سلامة القس)، أم كان حضوره غير مباشر، أي عبر شخصيات تعبر عن أيديولوجيته وإن كانت شخصيات ثانوية، مثل حضوره في شخصية أبي البقاء البغدادي في (الثائر الأحمر)، وفي شخصية أبي الفضل الحريري في (سيرة شجاع).(31)

أما الدكتور محمد صالح الشنطي فقد حاول أن يربط بين البنية الفنية لروايات باكثير التاريخية وبين الرؤية الإسلامية للمؤلف، وذلك وفق منهج يكمن في “استلهام الحدث الرئيس للرواية من التاريخ، والعمل على توظيفه فنيا دون العبث بحقائقه الكبرى في خطوطه العريضة، والعكوف على التفاصيل الصغيرة وإعادة تشكيلها واستنطاقها برؤية الكاتب حيال المرحلة التاريخية مع الحفاظ على التقاليد المعروفة في تراث الرواية التاريخية منذ نشأت عند ولتر سكوت، حيث وجود مسارين رئيسين يتمم أحدهما الآخر: المسار الذي يعطي الرواية هويتها التاريخية بتتبع الانعطافات المهمة في مرحلة محددة، ثم المسار الاجتماعي الذي لا يقتصر على البعد العاطفي كما عرف عند جورجي زيدان وأضرابه، بل تتنوع أشكاله بتنوع وظيفته، ويلقي كل من السياقين الضوء على الآخر لتتشكل الرؤية وهي رؤية إسقاطية يفسر من خلالها الحاضر، وهذه الرؤية الإسقاطية ذات طابع تنويري تنبثق من منظور إسلامي”.(32)

ويسعى الدكتور محمد جكيب في دراسته عن (مقومات الإبداع في روايات باكثير) إلى تحليل أدبية روايات باكثير ورصد ما يسميه (مقومات السردية الإسلامية)، وذلك من خلال التركيز على عتبتي العنوان والتقديم.  وقد حاول الوصول إلى “مقصدية” الروائي باكثير من خلال تفكيك عتبة العنوان. فـ(الثائر الأحمر) مثلا “عنوان يتكون من عنصرين اثنين؛ لكل واحد منهما ثقل دلالي يحيل على حقل محدد يروم التغيير. ففي اسم الفاعل: الثائر نلمس مكونات الرفض العنيف الراغب في التغيير، لكنه يحيل في الوقت نفسه على مجالات واقعية كالسياسة والأيديولوجيا، أما كلمة حمراء فإنها تحيل مباشرة إلى الفكر الاشتراكي، وبروزه في الفترة التي كتب فيها هذه الرواية. وربما كانت هذه التداعيات هي التي أثرت في د. عبد العزيز المقالح فحلل الرواية من زاوية العدالة الاجتماعية… وكما اهتم باكثير بالعنوان نلاحظ عناية خاصة بتقديم بعض الأعمال. كتقديمه لرواية (ليلة النهر) الذي يقول فيه: في وسعك أيها القارئ الكريم أن تشهد في هذا الكتاب ما يشوقك في حياة الموسيقار المصري العظيم  المرحوم الأستاذ فؤاد حلمي. لقد سمى باكثير الرواية كتابا. وفي ذلك إشارة إلى ما تتضمنه الرواية من رؤى ومواقف فكرية مهمة”.(33)

أما الدكتور عبد الحكيم محمد صالح باقيس فيرصد في الدراسة التي شارك بها في (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، القاهرة 2010)  أنواعا أخرى من العتبات في روايات باكثير التاريخية: وهي البدايات والنهايات. وقد استطاع أن يرصد فيها بدايات وصفية مزجية، وبدايات سردية وكرنفالية وسينمائية ومسرحية، متوقفا عند دلالة بناء العتبة النصية في روايات باكثير ومدى توظيفها في التعبير عن الرؤية الفكرية للمؤلف. وخلص في ختام دراسته إلى أن عتبتي البداية والنهاية في روايات باكثير “لم تكن مجالا للتجريب والممارسة الإبداعية لأشكال جديدة من البدايات والنهايات شأن الرواية العربية الحديثة في زمننا هذا”. لهذا يضع باقيس روايات باكثير وبداياته ونهاياته في السياق التاريخي والإبداعي الذي تشكلت فيه، أي في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.(34)

وبعكس د. باقيس  يرى د. عبد الله الخطيب الذي كرس الفصل الثاني من رسالته حول (روايات علي أحمد باكثير: قراءة في الرؤية والتشكيل) لدراسة التشكيل الفني لأعمال باكثير الروائية من خلال البحث في تجليات الفضاء المكاني، والفضاء الزماني ودراسة الشخوص ونماذجها، والحوار واللغة، أن روايات باكثير قد تجاوزت – في زمانها- المواصفات التقليدية للرواية. فهو يؤكد في المقدمة أن “رسالته تقوم على تحليل الأبنية الروائية عند باكثير في جانبي المضمون والشكل، فهي مضامين متميزة وبناء فني مكين، ويتمثل هذا التميز من ناحية المضمون باشتمالها على مادة مثيرة للجدل؛ لأنها تتناول قضايا سياسية ودينية وجنسية بالغة الأهمية؛ كتبت بقلم إسلامي عاش فترة الصراعات الفكرية في مصر، حيث اعتمد باكثير تكنيكا جديدا في بناء رواياته مرتكزا على التاريخ الإسلامي … وأفاد كثيرا من التقنيات الفنية المتوفرة آنذاك، فخرجت رواياته بذلك عن المواصفات التقليدية للرواية، مما دفع بعض النقاد إلى اعتباره رائدا للرواية الإسلامية. وقد بدت في هذه الروايات جرأته الفنية في تطوير الشكل والمضمون وتقديم صياغة جديدة لم تعهد في روايات من قبله، حيث مزج بين البناء الروائي والمسرحي والشعري، إضافة إلى توظيفه التقنية السينمائية ليقرب الصورة إلى ذهن القارئ”.(35)

الخاتمة

ذكرنا في مقدمة هذا العرض لقليل مما كتبه النقاد عن روايات باكثير التاريخية أن علي أحمد باكثير قد حـُجـِب وقـُمِع واضطهد في نهاية حياته وبعد مماته، بسبب مواقفه وآرائه. وقد تنبأ باكثير – في ما تنبأ-  أن أعداءه بقمعه وحجبه واضطهاده لن يتمكنوا أبدا من قتله وإنهائه. فقد قال يوما لصديقه أحمد عباد “إنهم يحسبون أنهم يقتلونني عندما يمنعون عني الأخبار أو يحاربون كتبي ومسرحياتي. إني على يقين أن أعمالي ستظهر وتأخذ مكانها اللائق بين الناس في حين تطمس أعمالهم وأسماؤهم في بحر النسيان, لهذا فأنا لن أتوقف عن الكتابة ولا يهمني أن ينشر ما أكتب في حياتي. إني أرى جيلاًً قادماً يرحب بأعمالي”.

واليوم يبدو أن الجيل الذي رآه باكثير قادما يرحب بأعماله قد وصل. فمنذ أن انعقاد (مهرجان باكثير الأول) في مدينته سيئون عام 1986 نشرت كثير من الدراسات والكتب والرسائل العلمية التي تناولت جوانب عديدة من كتاباته. ويبدو  أن رواياته التاريخية قد حظيت بنصيب الأسد من تلك الكتابات النقدية. ومن اللافت أن معظمها أعطى أهمية كبيرة للبحث عن الأسباب التي دفعت باكثير لكتابة الرواية التاريخية. ولمسنا أن معظم النقاد اتجهوا في قراءتهم لمضمون روايات باكثير التاريخية الوجهة التي تدعم تلك الدوافع التي رأوا أنها  تقف وراء اختيار باكثير لكتابة الرواية التاريخية: لاسيما رغبته في العثور على معادل تاريخي واقعي يستطيع من خلاله تحليل أبرز المشاكل التي تعرضت لها الأمة العربية والإسلامية عند منتصف القرن الماضي. كما أن بعضهم حاول أن يسقط محتوى روايات باكثير على واقعه المعاصر وليس على الواقع الذي عاصره باكثير عند كتابته للرواية في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة. وعلى المستوى الفني، هناك نقاد يرون أن باكثير استطاع أن يطور أدواته في رواياته الأربع الأخيرة، وأن يتجاوز معاصريه من كتاب الرواية التاريخية على الرغم من التزامه بأساليبها التقليدية.

الهوامش

1-   د. عبد العزيز المقالح، (علي احمد باكثير والرواية التاريخية)، في وثائق مهرجان باكثير، سيئون 1986، دار الحداثة بيروت 1988،  ص 151

2-   الملحق الأدبي لصحيفة أخبار اليوم، 15 نوفمبر 1969، القاهرة

3-   د. عبد العزيز المقالح، علي احمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر، دار الكلمة، صنعاء، ص 8

4-    الرجع نفسه، ص 7

5-   أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، الجزء الثاني، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2010، ص 107

6-   وثائق مهرجان باكثير سيئون 1986، دار الحداثة بيروت 1988، ص 141-142

7-   وثائق مهرجان باكثير سيئون 1986: ص 141

8-   أبوبكر البابكري، روايات علي أحمد باكثير التاريخية: مصادرها.. نسيجها الفني إسقاطاتها، إصدارات جامعة صنعاء 2005، ص 296

9-   أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، الجزء الثاني، ص 181

10-         عبد الرحمن صالح العشماوي، الاتجاه الإسلامي في آثار باكثير القصصية والمسرحية، إصدار المهرجان الوطني للثقافة، الرياض 1409، ص223

11-         د. حلمي القاعود، الرواية التاريخية في أدبنا العربي الحديث: دراسة تطبيقية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2003، ص286

12-         (الاتجاه الإسلامي في روايات علي أحمد باكثير التاريخية)، في أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، الجزء الثاني،  ص 109

13-         د. حلمي القاعود، الرواية التاريخية في أدبنا العربي الحديث: دراسة تطبيقية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2003، ص 284-285

14-         أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، الجزء الثاني، ص 153

15-         المرجع نفسه، ص 107

16-         مقدمة المجلد الأول من الأعمال الروائية لعلي احمد باكثير، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2010

17-         أبوبكر البابكري: الأديب الكبير علي أحمد باكثير أول دعاة الإصلاح في اليمن، من إصدارات دائرة الإعلام والثقافة بالتجمع اليمني للإصلاح، صنعاء 2004

18-          د. عبدالله الخطيب: (الفضاء التاريخي في الرواية التاريخية بين علي أحمد باكثير وجورجي زيدان –نموذجا)

19-         أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، الجزء الثاني، ص 57

20-         د. عبد الله الخطيب، روايات علي أحمد باكثير: قراءة في الرؤية والتشكيل، دار المأمون للطباعة والنشر، عمان- الأردن، 1430هـ/2009، ص 18

21-         د. أبوبكر البابكري: الأديب الكبير علي أحمد باكثير أول دعاة الإصلاح في اليمن، من إصدارات دائرة الإعلام والثقافة بالتجمع اليمني للإصلاح، صنعاء 2004

22-         د. حلمي القاعود، الرواية التاريخية في أدبنا العربي الحديث: دراسة تطبيقية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2003، ص 284-285

23-         وثائق مهرجان باكثير، سيئون 1986، ص 143

24-         د. منصور الحازمي: (باكثير من زاوية يمنية)، صحيفة الرياض العدد 5626، 18 نوفمبر 1983

25-         وثائق مهرجان باكثير، سيئون 1986، ص194

26-         وثائق مهرجان باكثير، سيئون 1986، ص198

27-         وثائق مهرجان باكثير، سيئون 1986، ص199

28-         د. حلمي القاعود، الرواية التاريخية في أدبنا العربي الحديث: دراسة تطبيقية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2003، ص291

29-         د. أبو بكر البابكري، روايات علي أحمد باكثير التاريخية: مصادرها.. نسيجها الفني إسقاطاتها، ص 297

30-         د. حلمي، الرواية التاريخية في أدبنا العربي الحديث: دراسة تطبيقية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2003، ص 324-325

31-         د. طه حسين الحضرمي، المنظور الروائي في روايات علي أحمد باكثير، دار حضرموت للدراسات والنشر، المكلا 2007، ص337

32-         أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية، الجزء الثاني ص41-42

33-         المرجع نفسه، ص50-51

34-         المرجع نفسه، ص99

35-         د. عبد الله الخطيب، روايات علي أحمد باكثير: قراءة في الرؤية والتشكيل، دار المأمون للطباعة والنشر، عمان- الأردن، 1430هـ/2009، ص8

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: